حركـات التغييـر و الثـورات؛ دروسٌ نحـو الإنجـاز

أ. طاهر محمد علي زينو

▪️ تصديـر:

إنّ استقراءَ التاريخِ و نقدَه و استثمارَ ذلك في بناءِ مشاريعِ تغييرٍ مدروسةٍ لا مشاريعَ تغييرٍ عاطفيّة، وَ رسمَ معالمَ لاستراتيجاتِ التغيير لَهيَ بدايـةُ الطريقِ المنطقيّ السديد لتوجيه بوصلـة التغيير؛ إذْ أوضحَ في سياق هذه الفكـرة (د. محمد العبده) في مقدمة كتابه المُعنون بـ (حركة النفس الزكيّة، كيف نستفيدُ من أخطاء الماضي؟ [صـ7ـ]) قائلاً: «و أعتقدُ أنّنا لو درسنا تاريخَ المسلمين دراسةً تفصيليّةً واعيةً لاستفدنا منه كثيراً في حياتنا المعاصرةِ، و لَمَا تخبّطَ المسلمون في هذا العصرِ بالسيرٍ وراءَ كلِّ ناعقٍ ينعقُ بشعاراتٍ إسلاميّةٍ مزيّفة.»

و تابعَ في الصفحة ذاتها موضحاً: «و إنّ المُتتبعَ لجزئياتِ التاريخِ الإسلاميّ يخرجُ بنتائجَ و معالمَ واضحةٍ؛ منها أنْ الخطرَ الخارجيَّ مثل زحف المغول و الصليبيين ليسَ هو الخطرُ الأكبرُ و الأصعبُ! و إنْما الخطرُ الداخليّ الذي كان ينخرُ في جسمِ الدولةِ الإسلاميّة المتعاقبة هو الخطرُ الداهمُ، فثوراتُ الفِرقِ الباطنيّة من الخُرَّميّة إلى الحشاشين إلى القرامطةِ و الفاطميين أتعبَ جسمَ الدولة الإسلاميّة، و كذلك الفِرق المنحرفة الضالّة…. كلُّ هذا أتعبَ المسلمين و أدخلَهم في دوّامةٍ من الجدَلِ النظريّ و البُعدِ عن العملِ المثمر.».

إذاً فدراسةُ التاريخ دراسةً نقديّةً تحليليّةً موضوعيّةً هي المنطلق نحوَ تقديم رؤيةٍ واضحةٍ نقيّةٍ لاستشرافِ المستقبلِ و صناعة التغيير ذلكَ أنَّ مدرسةَ التاريخ أوسعُ الآفاقِ ثراءً و عمقـاً؛ تغذي الفكرَ، و تهذٍّب الروحَ، و تشحذُ الهِمم، و تُمأسِسُ الوعيَ، و تقدّمُ الدروسَ و تُجلي المواقفَ و تستخلصُ العِبـر، و تُحلِّلُ دقائـق الأحـداثِ وَ تقوِّمُ نتائجَهـا، و توجِّهُ الوجدانَ نحـو القدوات الصحيحة من الأعلامِ المؤثّرين الذينَ صنعـوا التاريخَ و أسبغوه حضـارةً… ليتمّ استثمارُ كلِّ ما سبق في استشرافِ المستقبلِ و صناعـةِ التغييـر، و بناءِ عنصـرِه الأهـم ألا و هـو الشباب بشخصيتـه الرِّساليّـة مبدأً و وعيـاً و قضيـة. و صدقَ الناظمُ إذ قال:

مَـنْ لـم يـعِ الـتــاريـخَ فـي صـــدرِه*

لــم يــدرِ حــلــوَ الـعـيـشِ مــن مُــــرِّه

وَ مَـنْ وعى أخـبـارَ مَـنْ قـد مـضـى*

أضــــافَ أعـــمـــــاراً إلــــى عـُـمـــــرِه

 

▪️رسائـلُ التغييـر و الإنجـاز:

سأحاول تكثيفَ جملةٍ من الأفكار و أصوغهـا لتشكّلَ بمجموعهـا رسائلَ قيّمةً لصناعة أيّ تغيير؛ مع التنويه أنّ هذه الرسائـلَ هي وحدةٌ متكاملةٌ و تتساندُ لتقدمَ نسيجاً متكاملاً.

• الرسالة الأولى: أدواتُ التغيير: لصناعـةِ التغييـرِ لابـدَّ من المحاكمة العقليّـة المنطقيّة للواقـع و ظروفِـه، و هذا يستدعي لِزاماً امتـلاكَ أدواتِ الوعي القائمـةِ على الدراساتِ الموضوعيّة، وَ التخطيطِ المُحكَـم، وَ رسـمِ إستراتيجيـات التغيير بعقليّـة جَمعيّـةٍ تعاونيّـةٍ تستوعبُ العقولَ و الكفاءاتِ الناضجةَ و من جميعِ شرائحِ المجتمع -الأمّـة- المتفاعلـةَ مع قضيـةِ التغييـر ببُعده الحضـاريّ الناهـض، فالتغييرُ المثمـرُ لا يُصنـعُ بعقليّةٍ فرديّةٍ أحاديّة، و لا يُصنَعُ بأفكارِ قيادةٍ عاطفيّـة؛ و إنّمـا يحتـاجُ فريقـاً من المستشارين المتمكنيين المُؤتمَنين يتمُّ اختيارهم من القيادةِ وفقَ معاييرَ محدّدة لا تساهُلَ في أحدها؛ لأنّ القضيةَ قضيةُ أمّة و مجتمـعٍ لا قضيةَ فردٍ و “كرسي”.

الرسالة الثانية: الشورى العلميّة التخصُّصيّة: لكي تحققَ حركةُ التغييـر أهدافَهـا تحتـاجُ القيـادةَ الواعيـةَ التي تحيطُ نفسَهـا بفريـق من المستشاريـن الأكفيـاء الأتقيـاء؛ و بالتالي فإنّ القيـادةَ الحكيمـةَ المتجرّدةَ عن حظوظِ النفسِ و وَخَـمِ “الكرسي” تُحي مبـدأ الشورى الذي هـو أحدُ أهمِّ مبادئ الإسـلام؛ شورى علميةٍ فكريّةٍ تخصُّصيّةٍ تستوعبُ كافّـةَ مفاصـلِ التغيير و قضاياه (البيئة الاجتماعيّـة بقِيمها و وعيها و مستواها المعرفيّ، وَ البيئة الاقتصادية و الثروات، و البيئة العسكرية، و الاستخباراتية، و طبيعـة العلاقات الدوليـة و آلياتهـا السياسية…)، و تسمو الشورى مكانـةً إذا فعَّلَتْهـا القيـادةُ و أخذتْ بهـا؛ نعـم أخـذتْ بهـا سيمـا إذا كانَ المستشارون ممّـنَ حسُنَ اختيارُهـم فكانوا من الثابتين مبدأً، والمتمكنين رأياً و حكمةً، و المُحنَّكين تجرِبـةً، و المتخصِّصين علمـاً، و المقبولين مجتمعـاً، وَ المُنزَّهين أصلاً و تربيـةً فتمنعُهم أصولهم العائليّة عن الفسادِ و الظلمِ و التهوّر.

• الرسالة الثالثة: معاييرُ القيـادة: للقيـادة الواعيـةِ الجديرةِ سماتٌ ترقى لأنْ تصلَ درجةَ المعايير التي لا يُستغنى عن واحـدٍ منهـا

1- المعيار الأول: الدهاء السياسيّ بما يحملُه من النضجِ العقليّ وَ الحزمِ في مكانه وَ حُسنِ التدبير وَ سلامةِ التحليل للأحداث و استشراف المستقبل من خلالهـا، و استخدامِ الحيلة و المكر و الكتمان، و فتح قنواتِ التواصل لبناء شبكةٍ من التحالُفات السياسيّة و تقليص قائمة الخصوم بتحييدهم بما يخدمُ المشروعَ وفقَ “نظرية الممكن”، و اختراق الخصمِ بشراءِ ذمم -أو تحييد- عناصرِ قوتِه و قياداتِ مفاصلِه المؤثّرة.

2 – المعيار الثاني: قوّة الشخصية و جرأة الخطابِ بحيثُ ينقلُ بقوةِ خطابِه و حكمةِ حديثِه و وضوحِ لهجتِـه هيبـةَ الحُكـمِ و نضجَ القيادةِ إلى الحاضنة و الأتباعِ المؤيدين؛ فليس كل شخص يصلحُ للقيـادة -و إنِ امتلكَ فكراً و وعيّاً- بل لابد من سمات في القيادة حتى تتحققَ الصورةُ الناضجةُ للحُكـم، فالقيادة -أو الحُكم- حسب تعبير الدكتور عبد الله النفيسي «نصفُه هيبـة!!» و هذا مما يعطي الاستقرارَ النفسيَّ للأتباعِ و المؤيدين و الحاضنـة بمُجملِهـا.

3 – المعيار الثالث: امتلاك مهارة التفكير الاستخبارِيّ و بناءِ منظومة استخباراتيّة عمادُها المعلومات و الدراسات، و توظيفُهـا في حماية المشروع و بنائه، و كذلك توجيه القوة العسكريّة “ما يعرف اليوم بمصطلح الاستخبارات العسكريّة”.

4 – المعيار الرابع: امتلاك أدوات فنّ الإدارة و البحثِ عن موادرَ اقتصاديّةٍ غير مشروطة بحيثُ تنعكسُ -الإدارة و الاقتصاد- على مفاصلِ المشروع تنظيماً وَ ضبطاً وَ حيويّةً وَ استمراراً وَ تنميةً -على مستوى الكوادر و التوسّع الأُفقيّ على الأرض-.

5 – المعيار الخامس: امتلاكُ القيادةِ الحنكةَ العسكريّةَ التي تستجلبُ الفهمَ الصحيحَ لطبيعة الواقعِ و ظروفِه، و ابتكارَ الصيغِ الأنجعِ للتعامل معه، فلكلِّ واقعٍ ظروفٌ و آلياتٌ في التعامل؛ فما يصلحُ لواقعٍ عسكريّ في عصر ما قد لا يجدي في عصور لاحقة اذا غدا معروفاً مكشوفاً، لذلك من المثمرِ امتلاكُ القيادة لمهارة الابتكارِ الجريء على مستوى الحلول العسكريّة القائمةِ على عمادَي: الدراسات الاستخباراتيّة، وَ الشورى العسكريّة.

6 – المعيار السادس: ألّا تكونَ القيادةُ قد نشأت في بيئةٍ دينيةٍ مثاليّة من غير تجاربَ و تفاعلٍ مع المجتمعِ و إشكالياتِه و شرائحِه و نماذجِه؛ لأنّ الشخصيةَ الناشئةَ في تلك البيئةِ يغلبُ عليها الإغراقُ في حُسن الظنّ الذي قد يصلُ لدرجةِ البساطةِ المؤطَّرةِ في إطارهـا المثالي البعيدِ عن الانخراط في المجتمع و معاينةِ طوَامِّـه قبلَ جمالياتِه، و فساده قبلَ صلاحِه، و نقاط ضعفِه قبل قوته.. فالبيئةُ المثاليّة الهادئةُ لا تُخرِّجُ شخصيّةً قياديّةً، و لا تبني شخصيةً ناضجة تكونُ في موقع الاستشارة لأنّنا -بكل وضوح- إذا قبلنا بذلك نكونُ قد نسفنـا المعاييـرَ الخمسةَ السابقة جميعَها!

• الرسالة الرابعة: الثورةُ وسيلـةٌ لبناء مشروعِ التغيير:

و لإيضاحِ هذه الرسالة سأطرحُ السؤالَ الآتي: هل الثورةُ -أو حركة التغيير- غاية؟!

قطعاً ليستِ الثورةُ غايةً بمفهومها التقليديّ العاطفيّ أو حتى النفعي البرغماتي -كما سوَّقَه المُتثورنون-!!

نعم …ليست الثورةُ غايةً بل هي وسيلةٌ حركيّةٌ لبلوغِ هدفٍ كبيرٍ سامٍ في إطارٍ من الفكرِ الناضجِ و القِيمِ الأصيلة اللَّذَين يصونان العملَ الثوريّ عن الانحرافِ وَ الشطط وَ الغلو بمفهومه الإقصائيّ المريض، و معنى ذلك أنَّ الثورةَ لا تعدو كونَهـا وسيلةً تفرضُهـا الظروفُ الواقعيّةُ القاسيةُ -سيما في واقع الأنظمةِ العربيّة الوظيفية الحاقدة على الشعوبِ أصلاً- لبلورةِ مشروعِ التغيير المأمولِ المحمّلِ بالرؤية الفكريّةِ الناهضة، و كلمة “مشروع” تستدعي متلازماتِهـا المنطقيّة: (رؤية المشروع العامة – أهداف المشروع و قِيمـه – رسم الإستراتيجيات و أبعادهـا المرحلية – الخطط تبعـاً لكل مرحلة – آليات التنفيـذ و الإدارة…) تضافُ إلى هذه المتلازماتِ المتلازمـةُ الأنضجُ و هي (إعادةُ المراجعةِ و التقويمِ و التعديل و التصويب)، و بهذا المعنى تصبحُ “الثورةُ” مرحلةً تمهيديّةً حركيّةً متقدمةً لتحريكِ المشروع الذي سيتجاوزهـا حُكمـاً لتقعيدِ أرضيةِ البنية التحتيّة لقِيمِ المشروعِ و أهدافِـه؛ و ذلكَ بالتوجُّه نحوَ الإنسانِ و إحيائه نفسيّاً و قِيمياً و معرفيّاً و رِساليّاً ليختارَ التخصصَ العلميّ الذي يخدمُ مشروعَ التغيير حضاريّـاً، وصولاً لعمليةِ الإحصاءِ و تنظيمٍ هذا المخزون التخصصيّ من الكوادر البشريّة في مساقات التطوير و الإنجاز..

و بعودة بسيطة لثورات الربيع العربيّ خلال السنوات السابقة نجدُ أنَّ البعضَ -و حتى الآن- لا يفهمُ من الثورةِ للأسفِ إلّا الشعاراتِ و الخطابات وَ الرقص و الأغنيات بل و يسعى جهدَه للمحافظة على هذه الطقوس و تكريسِها لأنهـا وسيلةُ ارتزاقٍ يُورِّي بها عن الأجندة التي يتبعُ لها! يضافُ إلى ذلك إقصاءُ الكوادرِ الوطنيّة الطموحة ممّن يمتلكون أدواتِ مشروعِ التغيير، و بذلك يكون الانقلابُ على الثورة و مشروع التغيير معاً.

• الرسالة الخامسة: فهـمُ طبيعة الشعوب “علم النفس الاجتماعيّ” :

إذا كان مشروعُ التغيير الذي وسيلتُه المبدئيّة الثورةُ فإنّ هدفَه الإستراتيجيَّ الأبعدَ هو بناءُ الإنسانِ -كما قدّمنا-؛ هذا الإنسانُ الذي يُشكّلُ البيئةَ الاجتماعية لأي ثورةٍ و هو حاضنتُها و مادةُ حركتِها، لذلك لا نجاحَ لثورةٍ تمتلكُ رؤيةً لمشروعِ تغيير إلّا بتوثيقِ صلتِها مع حاضنتِها الاجتماعيّة و شعوبِهـا و تعهُدِهـا بالإيضاحِ و مدِّ جسورِ التواصُلِ المفضيةِ لإرساء أرضيةٍ من التفاعل المثمرِ نحو التغيير؛ بحيث يُصبحُ مشروعُ التغييرِ قضيّةً تسري في وجدان و فكرِ المجتمع حتى يصلَ درجةَ الانتماء الحقيقيّ الحركيّ للمشروعِ و قيادتِه؛ فيدعمَه و يتفانى عملاً و تضحيةً و ثباتاً و صبراً في سبيله.

و إنَّ الوصولَ إلى المجتمعِ و بناءِ حركيّتِه هو مشروعٌ إستراتيجيّ بحدِّ ذاته، و نجاحُه هو نجاحٌ و قوّةٌ لمشروع التغيير العام فيستمدُ من قوّة الحاضنة قوتَه، ذلك أنّ الشعوبَ لا تتفاعلُ مع القيادةِ الغامضةِ الضعيفة الباحثةِ عن مصالحِها الخاصّة على حسابِ حاضنتِهـا! لذلك ترى الشعوبَ أكثرَ ميلاً نحو الحكم القائم المستقرِّ الذي له بنيتُه و نظامُه -و إن كان ظالماً- و في ذلك يقول “العبده”[صـ123]: «فلابدّ للمطالبةِ القويّة -كما عبّر عنها ابن خلدون- من الاستنادِ إلى قاعدةٍ شعبيّةٍ عريضة تؤمنُ بأهدافِ الحركةِ إيماناً قويّاً».

و لا يستقيمُ ذلك إلّا بتمتينِ الجبهةِ الداخليّة و مواجهةِ الأخطارِ التي تعرضُ فيها من خلال اليقظة التامّة و تتبُّعِ عناصرِ الطابورِ الخامس المنتشرِ ضمنِ الحاضنة الاجتماعيّة -الشعبيّة- نافثاً سمومَ غدرِه و تشويشِه و أفكاره السلبيّة من قبيلِ أنّ الثورات و حركات التغيير لا فائدةَ منها و أنهـا تعبٌ و تضحيةٌ من غير نتائجَ حسيّةٍ، و ما هي إلا دماء و سجون و موت… ممّا يعودُ على المشروعِ بالتعبِ و القصور، لذلك لا غنى عن محاربةِ هذا الطابور الخامس على مستويَي الحاضنة الاجتماعيّة و القيادةِ -على السواء- من مثبِّطين و خونة و عملاء و استئصالِهم؛ وكلنا رأى كيفَ انقلبَ هذا الفريقُ خلال ثورات الربيع العربيّ فكانوا رؤرسَ الثورات المضادّة! و ما ذلك إلّا لضعفِ القياداتِ و قصورِها الفكريّ و التنظيميّ فترى البساطةَ و الارتجالَ في أغلب قرارتها و سلوكياتِهـا الإداريّة البعيدة عن الرؤيةِ الواضحةِ و التخطيطِ السليم -طبعاً لا أتحدثُ عن القيادات ذات الارتباطات الموجّهة فهذا له حديث آخر؛ و إنما أقصدُ أغلبَ القيادات العفويّة-.

• الرسالة السادسة: علماءُ الدين و المشايخ و أهليّة التغيير:

ربما تكونُ هذه الرسالةُ جريئةً بعضَ الشيء لكنّه واقعٌ وجبَ توضيحُه و قد عايناه جليّاً خلالَ ثورات الربيع العربيّ، حيثُ يعتقدُ بعضُ طلبةِ العلم و المشايخ -لا أُعمِّم- أنّه لمجردِ تبحُرهم في بطونِ أمّهاتِ كتبِ التراثِ الراقي من “نحوٍ و فقهٍ و حديث و أصولٍ….” و صرفِ أوقاتِهم بينَ الكتبِ يعطيهم الأهليّةَ و الأحقيّةَ لتصدُّرِ قيادةِ مشروعِ التغيير -أو الثورة- و ربمـا قيادة الأمة سياسيّاً أو الجيوش عسكريّاً حتى و لو لم تكنْ لهم تجاربُ عمليّةٌ أو معرفةٌ سياسية، بل حتى و إنْ جهلوا مهاراتِ فنّ الإدارةِ و لم يسعَوا لسلوكِ دربِ التطوير لإمكانياتِهم و شخصياتهم و توسيع آفاقِ معارفهم في علومِ الكونِ و السياسة و الاجتماع و الاقتصاد و العسكرة؛ وصلَ ببعضهم حتى لو لم يكونوا يملكون رؤيةً فكريّةً في الأصل!! و بعبارةٍ أخرى عقلية مشيخيّة تقليدية بسيطة رسَّختْها الأنظمةُ الوظيفيّةُ خلال القرن الماضي بعدَ سقوطِ الحكم العثمانيّ و مازلنا نعاني من جمودِ و بساطة تلك الشريحة التي كانت -عبر عصور سلفَت- هي العصبَ المحرّك و العقلَ الأنضجَ في توجيه المجتمعِ و بنائه و دفعِه نحو التطوير؛ بل كان أغلبُهم علماءَ موسوعيين جمعوا علومَ الشريعةِ إلى العلوم الكونيّة فكانوا روّادَ الحضارة.

مع التأكيد أنّ مناهجَ كليات الشريعة في دُولنا العربية لا تصنعُ عالمـاً مكتملَ الشخصية، ناضجَ الفكر، متينَ العلم؛ بل إنّ قضيةَ البناء الفِكرِيّ بمفهومِه النهضويّ على مستوى الأمّة لا وجودَ لها في تلك المناهج و المؤسسات المُسيَّسة، و إذا وجدتَ عالِماً أو طالبَ علمٍ قد امتلكَ الفكرَ المنتِجَ فيكون ذلك -بعد توفيق الله- بجُهده الشخصيّ خارجَ صندوق الجامعة عبر قراءاتِه الخاصة و ملازمتِه لطبقةٍ سابقةٍ من العلماء و المفكّرين الأجلّاءِ ممّن تربَوا في مدارسِ علماءَ ربّانيين حركيين من علماء النهضة أمثال ( بدر الدين الحسَني وَ طاهر الجزائريّ وَ محمد الطاهر بن عاشور وَ عبد الحميد بن باديس وَ حسن حبنكة الميدانيّ وَ محمد سعيد النعسان وَ محمد الحامد و مصطفى السباعيّ وَ محمود شيت خطّاب وَ محمد أحمد الراشد وَ أبو الحسن الندويّ وَ محمد الغزاليّ و يوسف القرضاويّ…)

• و اختصاراً أقولُ إنّ استغراقَ طالبِ العلم في كتب التراث المنهجيّ و انعزالَه عن حركة المجتمع أولاً و حركةِ العالَم المحيطِ و تجاذباته ثانياً، و قَصْرَ اهتمامِه على فنونِ العلوم الشرعية دونَ البناءِ الفكريّ الحركيّ لن يقدِّمَ للأمةِ جديداً في هذا الواقع الذي لا يقبلُ إلّا امتلاكَ إرادة التحدي؛ واقعٍ يضعُ كوادرَ الأمّـة و شبابَها -فضلاً عن طلبة العلم و العلماء- أمامَ مسـؤوليـةٍ جِـدُّ عظيمة تحـدوهـم نحـوَ العمـلِ المثمرِ عـلى بصيـرةٍ و عـلمٍ بعدَ قـراءةِ التـاريـخ من مصادرِه و استيعابِ مـراحـلِـه؛ عمـلٍ يتماشـى و صعـوبـة المرحلة التي شعارها طمسُ كلِّ جميلٍ راقٍ من حضـارتِنا و اسـتهدافِ رجـالِها من ذوي الفِكر و العلمِ و الريادة و الأصالة حتى وصلت حدّ استهداف الفطرة!!! و الحقيقةُ التاريخية تثبتُ أنّ العلماء الذين أثَّروا في الأمّة و أثْرَوهـا همُ الذين بلغوا سنامَ الفكرِ الحضاريّ و التربيةِ الرِّساليّة.

▪️و أختمُ موجّهـاً القارئ الكريمَ و أخصُّ شريحةَ الشباب الناهضِ نحوَ التوسُّع في البحثِ بقراءة الكتبِ و الأبحاثِ القيّمة الجـريئة التي تعتمدُ التحليلَ التاريخيَّ المنطقيَّ الموضوعيَّ للأحداث، و القائمةَ على استلهامِ الدروسِ نحـوَ إحداثِ أي تغييرٍ أو إنجـازِ أهدافِ أيِّ ثـورة على واقعٍ فاسـد و أنظمـةٍ عليلةٍ مستبِدّة؛ لكنْ يجبُ أنْ يكونَ القارئُ واعيَـاً و من أصحابِ المحاكمـة المنطقيّـة السديدةِ و مُلمّاً بأحداثِ التاريخ، و المرحلـة التي يتحدَّثُ عنـهـا المؤلِّفُ أو الباحث حتى يضعَ التصوراتِ في مكانهـا؛ و هنا أودُّ التأكيدَ على المعرفة التامة بالكاتب الباحث أو المؤلِّف تطبيقـاً لتوصياتِ العلماء و المفكرين بقولهم «اعرفِ المؤلِّفَ قبلَ أنْ تقرأ المؤلَّف».

و وصيتي إلى شبـابنا الناهضِ الواعي أنْ يبدأَ بقراءة كتابِ المؤرِّخ المفكّر (د. شوقي أبو خليل -رحمه الله- المعنون بـ (عواملُ النصرِ و الهزيمةِ عبرَ تاريخنـا الإسـلاميّ) من إصدارات دار الفكـر بدمشـق؛ و حبذا قراءة الكتاب بطبعتـه الأخيـرة ففيه إضافاتٌ و استدراكاتٌ و ذلك أنّ الدكتور “شوقي” جمعَ التأريخَ الدقيقَ إلى الفكرِ السديد في مؤلفاته، و هو مشهودٌ له بالضبطِ و الوضوح في الرؤية بحيثُ يزول معهمـا أيُّ لبسٍ فضلاً عن تمكُّنٍ في العرض و منهجيـةٍ في التأريخ و التحليلِ و منطقيـةِ التفكيـر. و بعد الانتهـاء يتوجـه القارئُ الشابُّ لقراءة كتبٍ و أبحاثٍ أخرى كمؤلفات العلماء المؤرّخين (عماد الدين خليل و محمود شيت خطاب و شوقي أبو خليل و محمد أحمد الراشد وَ محمد العبده وَ أبو الحسن الندوي وَ محمد العوضي……) فشبابُنـا بحاجة لتكثيفِ وجباتِ القراءةِ الواعية التي تثمرُ فكراً و إحاطةً و تمكُّناً في واقعٍ حرجٍ من مراحل نهوضِ الأمّة يستدعي من الشبابِ جذبَ أدواتِ التغيير و الانخراطِ في معادلة التحدي بعد ثوراتِ الربيع العربيّ و طوفانِ العزّة و الحربِ العالميّة المفتوحةِ على الفِطرة و الأسرةِ و الأجيالِ مصداقاً لقول “د. محمد العبده” [صـ9ـ] «و إنّ اللحظات الحرجة التي تمرُّ على الأمّةِ هي لحظاتُ التحدي عندما تشعرُ الأمّةُ أنّها في خطرٍ داهمٍ و لا بدّ أنْ تكونَ بمستوى هذا التحدي، كمـا أنّ الخطرَ الداخليّ يجبُ أنْ يستنفرَ القُوى المذخورةَ لإصلاحِ الأوضاعِ الفاسدة.»

يناير 10, 2026 |

التصنيف: في العمق |

شاركها مع أصدقائك!

اقرأ أيضاً