
العـربيّةُ.. لغـةُ الرسـالـة وَ الهُويّة وَ النهوض
أ. طاهـر محمد علي زينو
▪️ استهـلال:
لطـالمـا سـعَـتْ أنظمـةُ الفسـادِ الـوظيفـيّـةُ إلى إظهـارِ مـدرِّسِ اللغـةِ الـعـربيّـةِ بِـمـظـهَـر الـبسيـطِ السـاذَج البعيـدِ عـن ثـوابـتِ الاتِّـزانِ و الـحكـمـةِ و الوَقـار ..
صَـوَّرُوه على أنَّـه إنـسـانٌ مُعـقّـدٌ غيـرُ متّـزنٍ؛ ذو شـخصـيّـة انـهـزاميّـةٍ مهـزوزةٍ نـفـسيّـاً أمـامَ طـلّابِـه؛ فـلا يُكـتَـرَثُ لـهُ فـي الفصـلِ إنْ هـو دَخَـلَـه ..
صَـوَّرُوه خـانعـاً ذليـلاً بعـيـداً عن سماتِ الكـرامـةِ و الـسـمـوّ ..
صَـوَّرُوه مُـتـنـطِـعـاً يتـكـلَّـفُ الكـلامَ تـكـلُّفـاً، و يتشدّقُ بعبـاراتٍ مُـعَـقـَّدةٍ مجهـولـةِ المعنى أشبـه بـالطـلاسـم…
صَـوَّرُوه علـى أنَّـه إنـسـانٌ فـوضـويّ بـعـيـد عن مـفـهـومِ الـذوقِ و الـجَمـالِ و الـرتـابـةِ؛ جَـمـالِ المـظـهـرِ و تـنـاسُـقِ المَـلـبَـس… فهو مـتـرهّـل الـهـنـدام دائـمـاً، رثّ الـمـظـهَـر ..
و لا أدلَّ على ذلك من مسـلسـلات و أفـلام و مـسـرحـيّـات هـزلـيّـة قـاءَهـا الإعـلام المصـريّ و غـيـره –من القـيء– …
▪️ محـاولة استهداف الهُويّة:
• و تأسيساً على ما سبق لا أجدُ تعبيـراً أدق من العنوان العريض (محاولة استهداف الهُويّـة) كهـدف إستراتيجيّ بعيـد للنيل من لغتنـا العربيـة؛ و مـا هـو إلّا محاولةٌ خبيثـةٌ مفـضـوحـةٌ لـلإسـاءة للـغـة العـربيّـة ذاتِـهـا في أوّلِ خطـوةٍ من خطـواتِ مـشـروعِ الطعـنِ فـي دينـنـا الحنيـف و مصـادر التشريـع القائمـة على عمــادَي القـرآن الكـريـم أولاً ثـمّ الحـديث النبـويّ ثانيـاً اللذيـن يمـثـلان وعـاءَي العربيـة الأوسـعِ و الأرقـى لغـةً و بلاغـةً و بيـانـاً و قِيمـاً و أسلوبـاً و صيغـاً و تراكيـب… هذا من ناحيـة، و من ناحيـةٍ أخرى لِـيَـجعـلُـوا طُـلّابَـنـا وَ أبنـاءَنـا زاهـديـن بهـذه المـادة بحصـرهـا في إطـارهـا العلمـيّ المـجردَ بوصفهـا مـادةً علمـيّـةً للـدراسـة و البحـث و الامتحـانِ فقط!!
و الحقيقـة أنّ العـربيـةَ هـي لُـغـتُـهـم وَ هُـويّتُـهـم و مـصـدرُ عِـزّهـم، لغـةُ الـقـرآن الكـريـم، لغة الـعـقـيـدة و الإيـمـان، لغـة الـسـمـوّ وَ الـجـمـال و الجَـلال، لغــة العلـوم و التفـوّق الحضـاريّ لأمتنـا إبّانَ عصـورِ الازدهـار الحضـاري وَ رِيادةِ العلمـاء الموسوعيين الذيـن جعلـوا العربيـةَ شعارَهـم و لسانَهـم حيثُ فاضـت مكتبـاتُ العالَـم بـعـلومهـم و إنجازاتهم التي حفظـوهـا بلغتهـم العـربيـة الجميلـة حتى غدتْ غـايـةً لأباطـرة الغـرب و الأعاجـم ليعلِّمـوهـا أبناءَهـم بل و يتفاخرون بنطـقِ عدة ألفـاظ عربيـة بألسنتهـم !!! ..
• إذاً يبـدؤون بتشـويـه اللّغـة العـربيّـة و تـزهيـد الأبنـاءِ بهـا ليصـلوا فـي مشـروعِـهـم إلـى منتهـاه حسب تـصـوِّرِهـم المعـدّ للنيـلِ من هُـويتِـنـا و الرابـطِ الذي يَجمـعُ و يُـؤلِّفُ جميـعَ النـاطقيـن بهـا في نسيـجٍ اجتمـاعـيّ قِيمـيٍّ مُنتِـج مع تضافـر مقومـات الهمّـة الموصِـلـة للمشـروع الحضـاريّ الجامـع الذي تنتظره الإنسـانيـةُ بأسرهـا.
• و نحـنُ لو رَجـعـنـا بـذاكـرتنـا إلى مـراحـلِ دراسـتِـنـا فـإنّنـا لَـنجـدُ أنّ أكثـرَ المُـدرِّسـيـنَ –المُـربـيـن– تـأثيـراً في شـخصـيّـتـنـا إنّمـا هم مـدرِّسـُـو اللُّـغـة العـربـيّـة –عندمـا يتمثلـون قِيمهـا–؛ و ما ذلك إلّا لِـجَـمـال أرواحِـهـم و لطيـفِ بيانِـهـم إذ تـأثَّـروا بـجـلـيـلِ لفـظِ الـقـرآن و قـوَّةِ بيـانِ العـرب و فصـاحـةِ الخطـبـاء، و كيفَ لا يكـونُ ذلك و هـم أكـثـرُ الـمـدرِّسـين حُضـوراً بيـنَ طـلّابِـهـم مـن حيثُ عـددِ الحـصـص و السـاعـات الـدَّرْسِـيّـة، و الأكـثـر خطـابـاً و حـواراً مـع أبـنـائهـم الطــلّاب.
• و ممّـا أعطـى لهـذه اللغـة تميُّـزاً و تفـرّداً بين اللغـات أنْ جعلهـا اللهُ لـغـةَ الـقـرآن الكـريـم الذي حَـفِـظَ لنـا لغـتَـنــا، لذلك فـإنَّ الحديثَ بهـا و دراستَـهــا مـع إخـلاصِ النِّـيّـة للّه –سبحانه– عِــبـــــادةٌ ، فـهي اللُّغــةُ القـرآنيّـةُ الخـالـصـةُ بِـمَــا تحـمـلُـه من فصـاحـةِ الكَـلِـمِ ، وَ بـلاغـةِ الـتـعـبيـر ، و بـراعـةِ الأداء ، وَ يُســرِ التـداولِ وَ الـتـواصـل وَ الإبـداع -كما عرّفهـا العلامة اللغوي الدكتور فخر الدين قباوة-. و لـقـد تـكـفَّـلَ اللهُ –سبحانَه– بالحِفـاظِ عـلى الـذّكـرِ الـقـرآنـيّ الشــريف الذي يصـونُـه لـسـانٌ نـاطـقٌ و أُمّــةٌ واعيـة؛ لذلك فسّـرَ العلمـاءُ قـولَـه تـعـالـى {فـإنَّمـا يَسـَّـرنـاهُ بِـلـسـانِـكَ لِـتُبَشِّـرَ بـه المُتّـقـيـن} [مريم : 97] بـقـولـهـم :
” أي يسّـرنـا الـقـرآنَ بإنـزالِـنـا لـه عـلـى لُـغـتِـكَ ” [كما جاءَ في تفسير البيضاوي و البغوي –بتصرُّف–] .
▪️ نحـو إصـلاح لُغـويّ:
• و بعـدَ الذي قـدّمتـه أستثمـرُ هذه المنصّـة لأبُـثَّ رسـالـةً أصـوغهـا من القلـب و نحـنُ نحتفـلُ مع العـالَـم بأسـره باليـوم العالمـيّ للغـة العربيـة أُوجّـهـهـا لِـ مـدرِسـي و أسـاتـذة و معـلِّـمـي اللغـة الـعـربيّـة من الجنسيـن بـأنِ انهـضـوا بالأمـانـة المـوكـلـة إليكـم أحسـنَ مـا يكـونُ النهـوض أداءً و عمـلاً و دراسـةً و تطـويـراً بامتـلاك زمـامِ العلـم بِـورودِ منـابعـه، و طيّبـوا قـلوبَـكـم بـإخـلاصِ النيّـة و صـدقِـهـا لتطيـبَ أنفـاسُـكم و كلمـاتُكـم و تـأخـذَ إلـى التـأثيـرِ و الـقَبـول مـأخـذَهـا فـي نفـوس و قـلـوبِ طـلابِـكـم ..
اعتنـوا بتـقـويـم ألسـنـتِكـم و نـزِّهـوهـا عـن اللـحنِ و الخطـأ فـي كـلام العـربِ، و صحّـحـوا مخـارجَ حـروفِـكـم –صـفـةً و مخـرجـاً–، و اجعـلـوا ألفـاظَـكـم تتقـاطـرُ إيقـاعـاً روحيّـاً يخـرجُ من قـلـوبكـم قبـل أنْ تجـودَ بـه ألـسنـتُـكـم…
و اعـلـمـوا حقيـقـةً لا تبـديـلَ عنـهـا بـأنّ الجمـالَ كُـلٌّ لا يتجـزَّأ ؛ فجمـالُ اللغـة و سمـوُّهـا يستجـلبُ حتمـاً جمـالاً فـي الخُـلُـق، و رُقيّـاً في الشخصيّـة، و اتـزانـاً في الأداء، و تنظيـمـاً في العـرض –للأفكـار–، و رتـابـة و أنـاقـةً في المظهـر و الملبَـس، و طِيبـاً عِـطـريّـاً فـي الـرِّيـح … لتعيـدوا للعـربيّـةِ بريـقَ حضـورِهـا، و حقيـقَ تـأثيـرهـا، و سُــمـوَّ حـاملِـهـا و معلِّّمـهـا … و لذلگ عندمـا تذوّقَ علماؤنـا هذه المعاني شفّتْ أرواحُهـم عن بصيـرةٍ إيمانيّة ذوقيّةٍ جليلة كحـال التابعيّ المربيّ “الحسن بن أبي الحسن البصريّ [ت 110هـ]” الذي كانَ إذا عثرَ لسانُه بشيءٍ من اللحـن يبتدرُ نفسَـه مستغفراً بقولـه «أستغفرُ اللهُ»!! فقيلَ له في ذلگ؛ فكان ردُّه ردّ المتذوّقِ البصيـرِ إذ قالَ: ((مَن أخطأ فيهـا -أي في اللغة العربية- فقـد كذبَ على العرب، و مَن كذبَ فقد عملَ سوءاً، و قال اللهُ تعالى {وَمَن يعملْ سوءاً أو يظلمْ نفسَه ثمّ يستغفرِ اللهَ يجدِ اللهَ غفوراً رحيماً})). و مثلُ هذا رُويَ عن عددٍ من التابعين گ أيوب السختياني و غيره.
• إذاً فالـعـربيّـةُ لُـغـة القـداسـة و الجَمَـال وَ العلـوم، و تكسـبُ حاملَهـا قـوةً و تأثيـراً و اتـزانـاً و رقيـاً… و بالتالي لا عذرَ لنـا -عربـاً و مسلمين- إلا بحملِ أمانة هذه الرسـالة و متابعةِ الحفـاظِ على هذه المنحةِ الإلهيـةِ الغالية و رعايةِ المهاراتِ التي تحيطُ بهـا خطاباً و تلقياً و كتابةً و تعليماً و أداءً للعلوم و المعارف؛ و لعلَّ من المفيـد التذكيـرَ بأنّ المهاراتِ اللغويـةِ هي الهـدفُ من تعلُّـم العربيـة و الخروجِ من إطار القواعـدِ الجامـدة إلى رحـابِ التذوق اللّغويّ و القِيميّ لمعانيهـا، لتغدو العربيةُ سجيةً تمـازجُ شخصيةَ أبنائنـا وترسـم الهُـويـة الأصيلـةَ لمجتمـع كامـلاً.
لذلگ أجدُني هنـا مضطراً لتأصيـلِ الحقيقةٍ العلميةٍ الواقعية الآتيـة: و هي أنّ المهارات اللُّغوية تنحصرُ في مستويين اثنين؛ الأولُ يعـمُّ الأمّةَ كلَّهـا، و الثاني يخصُّ رجالَ الأدبِ و العلـم و التعليم و الإعـلام. فالمستوى الأول إنما يكونُ في مجالات: التعبير الكلاميّ السليم وَ القراءة المتقنة وَ الفهم الدقيق للكلام وَ الكتابة الصحيحة. أمّا الثاني فينحصرُ في الإنتاج الأدبيّ الرفيع وَ التعليم السديد وَ البحث العلميّ الدقيق.
• و أخـتـمُ بـأبيـات راقيـة مـن إبـداعِ الشـاعـر النحْـوي *عـلـي الجـارم* –رَحِـمَــه اللهُ– في العـربيّـة و بيـانِ فضـلـهـا و شـرفِ الدفـاعِ و الـذودِ عنـهـا، و دورهـا فـي النـهـوض الحضـاريّ لأمّـتـنـا إذ يقـول :
– و الضادُ حسْبُ الضادِ فخراً أنّها
كـانــتْ كـلامَ اللَّهِ فـي فُــرقــانِـهْ
– هيَ سُؤددُ العربيّ يومَ فَخــارِه
وَ قِـوامُ نهـضـتِـه وَ سِـرُّ كِيــانِـهْ
– مَـنْ ذادَ عنـهـا ذادَ عـن أحسـابِه
بـل وَ عـن عقيـدتِـه وَ عـن إيمـانِـهْ






