العلّامـة الحامـد… نفحاتُ الأثـرِ الزاكي

أ.طاهر محمد علي زينو 

 

[1328 – 1389 هــ ||1910 – 1969 م]

• اسْـــتِــهـــلال :

➖ العـلّامـةُ الحـامـد أجـلُّ و أسمـى من التعـريـف لذلك سأستثمـرُ المقـامَ دخـولاً إلى موضوعِ لقائنـا مباشـرةً … حيثُ دوّنـتُ في أرشيـفي الخـاصّ مواقـفَ عـدّة تتـعـلّـقُ بسيـرةِ العـلامـة الحـامـد لم يتـمّ التطرُّقُ إليهـا سابـقـاً؛ أو تـمَّ لكـن دونَ إيضـاحٍ و جـلاءٍ تـام فبقيـتْ في حيـزِ بعضِ مَـنْ عاصـرَ و شـاهـدَ يرويهـا لخواصِّ خَـواصّـه، تشـفُّ هذهِ المواقـفُ عن جـوهـرِ سمـاتِ هذه الشخصيّـة غيـرَ أنّني أخّـرتُ الكتابـةَ فيها حتى أستكمـلَ توثيقَـهـا و التدقيقَ في تفـاصيلِهـا من الشخصيـاتِ الثقـات العـدول ممّـن عـاصـرَ تلك المـواقـفَ و خَـبـرَهـا مُـعــاينــةً بنفسـه.

➖ و عطفـاً على ما تقـدّم سنكونُ معكـم -قـرّاءَنـا الأكـارم- في هذا اللقاء مع مواقـفَ للعـلامـة الحـامد -رحمـه الله و غفـر لـه- يتجـلّى فيها مفهـومُ ربّـانيـةِ العلمـاء من ثبـاتٍ في الموقـف و جرأةِ الـرجـوعِ إلى الحـقِّ إذا أدركـوا خطـأهـم، مـع رحمـةٍ و رأفـةٍ بحـالِ الأمّـة و المسلميـن، و سمـوٍّ في النفـسِ و وفـاءٍ لأهـلِ الـفضـلِ بِـحِـفظِ ودِّهـم؛ نـاهيـكم عن تواضعِهـم و خشيتِهـم للـه -سبحـانـه- و استشعارِ مراقبتِهـم لـه في كـلّ أعمـالِـهـم و أقـوالِـهـم و مواقفِـهـم فحـازوا مقـامَ القـدوةِ التي ربّـتْ مجتمـعـاً كامـلاً فكـانوا علمـاءَ ربّـانييـن حقيقـةً…. و أعـدُكـم أنْ يكـونَ هـذا اللقـاءُ لقـاءً طيبـاً أنيسـاً نقلِّبُ معـاً تلك الصفحـاتِ من سِفْــرِ الأثـرِ النـافـع الذي ينعـشُ النفسَ و يُـهـذِّبُـهـا و يزكِّيهـا.

 

▪️ أوّلاً : حُـرقتـه لنشــرِ العلــمِ و إيصــالِـه إلـى القــرّاء و عـامّـة النـاسِ:

➖ ممّـا لا يختـلـفُ عليه اثنـان أنّ العـلّامةَ الحـامـد قد كـرّسَ حياتَـه و أغلـبَ وقتِـه و غـايـةَ جهـدِه للعلـم و نشـرِه، و بـثِّ روحِ الـوعي في أوصـالِ المجتمـعِ الحمَـويّ و العـالَـمِ الإسـلامـيّ، فقـد كان يتحـرَّقُ ألمـاً و حسـرةً لحـالِ الأمّـةِ التي انحـدرت بُعـداً عن العلـمِ و ارتيـاد منابعِـه حتى نأتّ بنفسِهـا عن مدارجِ الوعـي و التبصُّـر في واقعِـهـا من ضعفٍ و تشتُّت و بُعـدٍ عن إسـلامنـا مصـدرِ عـزِّنـا؛ إسـلامٍ مضبـوط بسلطـانَي العلـمِ و التزكيـة حتى أمسـتْ تَبعـاً لعـدوِّهـا من حيـثُ وعَـت ذلك أم لـم تـعِ! لذلـك بعـدَ سفـرِه إلـى مصـرَ و إنهـاء دراستِـه الجامعيّـةِ في الأزهـر الشـريف وحصـولِـه على الشهـادةِ العاليـة -آنـذاك- سـارعَ في العـودة إلـى بلـده ليقومَ بواجبِـه الشرعـيّ من دعـوةٍ و علـمٍ و توجيـهٍ اجتمـاعيّ و جهـادٍ للمحتـل الفرنسـيّ فـلـم يبـقَ لمتـابعـة الدراسـات في قسـم التخصُّصِ العـالـي كبقيـة زملائـه رغـم مطالبـات علمـاء الأزهـر وقتئذٍ لأنّـه علـمَ حقيقـةَ مهمـةِ أهـلِ العلـم و واجبهـم {لَـتُبينَّنـه للنـاسِ ….} و سأقـدمُ في هذا الإطـارِ مـوقفَيـن تـتجلـى فيهمـا حـرقتُـه لنشـر العلـم و الارتقـاء بالمجتمـع:

 

➖ المـوقف الأوّل :

لقـد كـانَ الشيـخُ محمـد الحـامد يستشعرُ الأمـانةَ الموكلـةَ إليـه في نشـرِ العلـم لذلك كان يتعـمّـدُ التجـوُّلَ في شوارعِ المدينـة و أسواقِـهـا فتراه ماشيـاً بِـهيبتِـه؛ و وقـارُ العلمـاء و جـلالُ سَـمتِهـم يُزيّنُـه؛ بحيـثُ يهـابُـه كلُّ مَـن يـراه فلا يكادُ يستطيـعُ أنْ يٌحـدَّ النظـرَ منـه لهيبتـه مهمـا بلـغ من جـرأة أو سفـاهـة -أگرمكـم الله-، فهـا هـو يمشـي داخـلَ سـوق المنصـوريّـة “سوق الطويـل” مُسلِّمـاً على التجّـار و أصحـابِ المحـلات و الباعـة و العمـال بكل ودٍّ و أدب جـمّ، فيقـفُ لـه التُّجّـارُ إجـلالاً مجيبيـن التحيـةَ و السـلام فيحـادثُـهم بنبـرةِ الـودِّ و شيمـة التواضـع… و لمّـا سُـئـلَ عـن ذلـك كـان ردُّه ردَّ العالِـمِ الذي أدركَ حقيقـةَ الأمـانـةِ؛ أمـانـةِ العلـم:

(( ربّمـا كان لأحـدِهـم -من التُّجّـارِ و العمـالِ و عامّـةِ النـاس- سـؤالٌ شرعـيّ أو فقهـي منعَـتْـه ظروفُـه أنْ يأتـيَنـي أو يأتيَ أهـلَ العلـم و يسـألَـهم و يستفتيهـم، أو لحيـاء و خجـلٍ من السائـل فيستحيي من الدخولِ عليّ في غرفتـي في المسجـد، فأنـا آتي إليهـم و أتجولُ بينهـم و أتـرفِّـقُ بهـم لعـلّ ذلك يكـونُ سببـاً في تشجيـعِ السائـل و مَـن يطلبُ توجيهـاً للمـبادرة إلى السـؤال، فأهـلُ العلـم يجـبُ أنْ يكـونوا بين الناس يَحيَـون معهـم و يعيشون واقعَـهـم و يُوجِّهـونهـم و يُبصِّـرونهـم أمورَ دينهـم … فهـذه هي مهمـة أهـل العلـم)) أ.هـ -بتصـرف-

➖ الموقـف الثـاني :

يحـدِّثنـا عن هذا المـوقف نـاشـرُ كتبـه و مؤلفـاته -رحمـه الله- ؛ موقـفٌ تتجـلّى فيه رحمـةُ العلّامـة الحـامـد بحـال المسلمين و همّـه الأول و الأخيـر هو نشـرُ العلـم بين كافـة شرائحِ المجتمـع بغيـةَ الإصـلاحِ، كمـا و يفوحُ معه عبيـرُ الـرجـوع عن الخطـأ إن بـدا لـه خطـؤه؛ بل لا يرى غضـاضـة في الاعتـذار و طلبِ المسامحـة و إنْ كانَ من شـابٍّ صغيـرٍ بعمـرِ أبنـائـه! حيث يروي لنـا الناشـر الـورَّاق الذي لازمَ العلامة الحـامـد سنوات عديـدة حتى تاريخ وفـاته :

((كنتُ شـابّـاً صغيـراً مع بداياتِ عملي في الطبـاعـة و النشـر و كنتُ وقتَهـا قـد طبعـتُ كتابـاً جديداً للشيـخ الحامـد -رحمـه الله- و هـو ( رحمـةُ الإسـلام بالنسـاء )، و بعد انتهـاءِ الطباعـةِ و قبلَ نشـرِه جاءني الشيخ إلى محـلـي ليـرى الكتابَ بعـد طباعتـه و يأخذَ نسخـةً ليطّـلعَ و يقـرأ..، و سألنـي -رحمـه الله- : “كـم سيكـون سعـرُ النسخـة الواحدة من الكتـاب؟” ، فأجبتُـه: سـتـون [60] قرشـاً، فغضـبَ الشيـخ الحـامـد -رحمـه الله- مستغربـاً هذا السعـر الـذي وجدَه مرتفعـاً، علمـاً أنَّ سعـرَ الكتـاب كانَ أقربَ لكلفتـه ناهيكـم عن التعـب الجسـدي حيثُ كنتُ أعمـلُ و أُشرفُ بنفسـي على مراحـل إعدادِ الكتاب كامـلة؛ فضـلاً عن السفـرِ المتواصـلِ إلى دمشـق حيث طبعتـه في مطابـعهـا الحديثـةِ يومهـا و التي كانت “مَكَـنـاتُ” الطبـاعـة فيهـا أرقى من مطـابـع حمـاة، غيـرَ أنّ الشيـخ أصـرّ على جعلِ سعـره أقـل بـعشرة [10] قروش أي بسعـر خمسيـن [50] قرشـاً فقـط…. فقلتُ له: شيخي الكتاب الذي بحجمـه في دمشـق سعـره مئـة و خمسون [150] قرشـاً .. هذا غيـر تعبـه!! ثـمّ صمـتُ احترامـاً للشيـخ و حيـاءً منـه، فقـال لي: “خلـص اجعـل سعـرَه خمسـيـن [50] قرشـاً متل ما قلت لك”

طبعـاً امتثلتُ لطلبِ الشيخ و نفّذتُه.

و بعد يومين ذهبتُ لـداره في حي (بـاب البلـد – حي عريق معروف وسط مدينـة حمـاة جنوب سوق المنصـوريـة الأثـريّ) لأوصـلَ لـه حصّتـه من نُسخِ الكتاب باعتباره المؤلِّـفَ كـتعويضِ طبـاعـةٍ و الذي نسميه في عُرفِ الناشرين بـ (حق الطبـع للمؤلف)، وصلتُ بابَ دارِه و طرقتُ البابَ و كان ذلك في وقـت حَـرٍّ بعد الظهـر و فتحَ لي البـابَ -رحمه الله- و أنزلتُ حِمـلَ الكتب و وضعتهـا خلف الباب من الداخـل، و استأذنتُ الشيـخَ بالمغـادرة إلّا أنّـه بادرني بابتسامـة محـبٍّ شفيـق قائـلاً:

“يـا ولـدي في عندك حنفيـة – مـاء – غسّـل و اطلع لعندي -حيث كان في غرفتـه المعروفة بـ العِلّيّة- شايفك تعبـان …اطلع لعندي اتغـدّى …”

طبعـاً لا تستطيع إلّا أنْ تمتثـلَ لطلبِ الشيـخ -رحمـه الله-، و فعلاً صرفتُ الحمّـالَ و غسّـلت و صعـدتُ غرفتَـه و وجدتُ الشيـخ يتودّدُ إليّ و يدعوني للطعـام و قد وضع الطعـام أمامـي و الذي كـان “سَـلـبِيــن مع طـاسـة لبـن غنـم بارد “، قال لي: “تفضـلْ … أنـا سبقتـك أنهيـت غدائـي مع وصـولـك” ، و بقي جالسـاً أمامي يحادثني حتى انتهيتُ و شبعتُ و ارتـويـتُ … ثـم قال لي كلامـاً بكـل ودّّ و أدب لا أنسـاه مـا حييتُ:

” أنـا ظلمتُـكَ يا ولـدي … أنـا استفسرتُ عن كلفة الكتاب فوجدتُ السعـرَ الذي وضعتَـه للكتـاب أقـل ممّـا عرفتُـه باستفساري … فاعـذرنـي يا ولـدي .. ما توقعـتُ أنْ تصـلَ كلفـةُ الكتـاب لهذا الحـد …!! المهـم يـا ولـدي اعلـم أنّ القـارئ المسـلـم هـو قـارئٌ فقيـرٌ؛ و نحـنُ إذا رفعْـنـا سعـرَ الكتـاب -أيّ كتـاب كان- نكـون قد منعنـا العلـم عن المسلمين؛ و نحـنُ همُّـنـا أنْ يصـلَ العلـمُ و ينتشرَ و يُقبِـلَ القـرّاءُ على شراء الكتب إذا بقيت في حدود المعقول و المقبول … أكـرر يـا ولـدي القـارئ المسـلم قـارئ فقيـر احفظهـا عنـي .”

فوقعَـتْ كلمـاتُ الشيخ في نفسـي و انشـرحَ لهـا صدري و حمَّـلتْنـي معـه أمـانـةَ نشـرِ العـلـم، و بقيـتُ محافظـاً على وصيـةِ شيخنـا -رحمه الله- من حيث وضـعِ هامـشِ بسيـط من الربـح، و قد بيعـت الطبعـة في فترة وجيـزة و جدَّدتُ طباعتَهـا مباشرة في أقـل من ثلاثـة أشهـر)) أ.هـ

▪️ثـانيـاً : تـواضعـه و حفـظه الــوُدَّ لأهـلِ الفضــلِ  

➖ لقـد ذكـرَ أغلبُ مَن ترجـمَ أو تحـدّثَ عن العـلامـة الحـامـد أنّـه عمـلَ خيـاطـاً أو عمـلَ في الخيـاطـة كمـا ذكـرَ ذلك ولـده (الشيخ د. محمـود الحـامد -حفظه الله-) في دراستـه الموسومـةِ بعنـوان “أبـي كمـا عرفتُـه ” ، و تلميذه أيضـاً الشيخ العالـم (عبد الحميـد طهمـاز -رحمه الله-) في كتابـه “العـلامـة المجـاهد الشيـخ محمـد الحامـد) الذي نشرتَه دار القـلـم بدمـشـق ضمـن سلسـلة أعـلام المسلمين رقـم[11]، و كثير من المصادر التي تتوزعُهـا المنصّـات و المواقـع على الشابكـة غيـرَ أنَّ واحـداً لـم يذكـرْ شيئـاً عن الـرجـلِ المعلِّـمِ الخيـاط الذي استقبـلَ العـلامـةَ الحـامد و كان الأخيـرُ -رحمه الله- يُجِـلُّـه و يحتـرمُـه أيّمـا احتـرامٍ حتى وفـاته -رحمـه الله- بل كان يُنـاديه أمـام النـاس عـامـة: ((مُعلّـمـي)) إقراراً من العلامـة الحـامد بالفضـلِ لهـذا الرجـلِ الذي احتضنـه و ظهـرتْ بدايـةُ نزوعِـه العلمـي عنـده فمَـن هـو هـذا الرجـل؟!

بعـد بحـث و تدقيـقٍ و متابعـة استطعنـا توثيـقَ اسم هذا الرجـل الخيـاط الذي لم يكن رجـلاً عاديـاً بـل كان من أعيـانِ البلـد و رجـالِـهـا و قد كان شيخَ الكـار في زمـانه إنّـه (شيـخُ الخيـاطيـن الحـاج محمـد زكـريـا زينـو، المعـروف بـ أبـو حسـن الخيـاط تـ 1997م) امتلكَ ذكـاءً نادراً قلَّ نظيرُه حتى أنّه لا يستخـدمُ “المازورة” أو وحـدات القياس لأخـذِ قياسِ مَنْ يَخيطُ لهـم من الزبائـنِ بـل يعتمـدُ على نظــرِه و ذاكـرتِـه فقـط و هذا موثّـق بشهاداتِ معـاصريـه!! لذلك كانَ مرجـعَ “أهـل الكار” من الخيـاطين يعودون إليـه عندَ أيّ خـلافٍ أو خطـأ يحتكمـون إلى خبرتـه و “معلميـته”؛ و كثيـراً مـا تولّى حـلّ الخـلافِ بنفسـه بإصـلاحِ الخللِ الذي ارتكبَـه أحـدُ الخيـاطيـن.

… إذاً بعـد أنْ عرفنـا اسم الرجـل الخيـاط الذي استقبلَ العـلامـة الحـامد عنـدما جـاء بـه أخـوه الأكبـر (شـاعـر العـاصي بـدر الديـن الحـامـد – رحمه الله [1897 – 1961مـ] ) كي يعلِّمـه صنعـةَ الخيـاطـة، غير أنّ شيخ الخيـاطين لاحـظَ لدى “محمـد الحـامـد” الفتى التزامَـه الديني و تعلّقَـه بالمساجـد و مواظبَـتَـه على حضـورِ الجمـاعات في أوقـات الصلوات -التي يصليهـا كلَّهـا في المسـجد جمـاعـةً-، و عندمـا يفتقـده يجده في المسجـد لذلك درجَ على مناداتـه بـ (الشيـخ محمـد) و قـد كان أولَ مَـن نـاداه بذلـك .. و بقي العلامـة الحامـد حافظـاً الـودَّ لِـ معلِّـمـه “أبي حسـن” في صورة من صورِ البـرّ و الوفـاء و هـو شيـخُ البلـد -آنذاك- و عالُـمهـا و كان مقصـدَ العلمـاء و محـطَّ ثقتهـم من أقطار العـالـم الإسلامـيّ، و بعـد عـودة الشيخ من مصـر الـتزمَ جـامعَ السلطـان خطيياً و معلّمـاً حيـثُ كان يُلقـي أغلبَ دروسِـه العـامّـة التي يحضـرهـا جمعٌ غفيـر من أهالي حمــاة و كان (الحـاج أبـو حسـن) من جمـلـة الذين يحضرون دروسَـه، و كان لـه مكانٌ خـاصٌ قريبٌ من الشيخ الحامـد يجلسُ فيه عـادةً، و إذا مـا تأخرَ ” الحـاج أبو حسن” قليلاً عن موعد الدرس و صـادفَ جلوسُ شخصٍ من الحضور في مكـانه المعتـاد فيبتـدرُه العـلامـة الحـامد:

(( هـذا الـمكان لـ معلمـي أبي حسـن !!)) ، و عندَ حضور “الحـاج أبي حسـن” يجلسُ حيثُ انتهى بـه المجلـس في الجامـع و عنـدَ ملاحظـة الشيـخ حضـورَه يقطـعُ درسَـه منـاديـاً:

((تفضّـلْ لمكانك معلمـي أبـو حسـن))، و يكـرّرُ الطلبَ أمام الحضـور عنـدمـا يرى حيـاءَ معلّمـه فمـا يكـونُ من “الحـاج أبي حسن” إلا أنْ يتقـدّم امتثالاً لطلبِ الشيـخ لكي يتـابعَ العـلامـة درسَـه.

و تكـررَ الموقفُ عدة مرات فأخـذتِ النـاسُ تسـألُ الحاجَّ “أبـا حسـن” باستغرابٍ عن السـرِّ في مناداة الشيخ لـه بـ معلمـي، و في أي العلـوم كان معلمَـه؟!

فذهب الحـاج “أبو حسن” إلى العـلامـة الحـامـد و جرى ببنهمـا الحوارُ الآتي :

_ الحـاج ابو حسن : بالله عليكم يا شيـخ محمّـد لا تنـادِني أمـام النـاس بـ معلمـي، النـاسُ تستغربُ ذلك، و أنـا أُحـرجُ من ذلـك؛بعـدين مَـن أنـا حتى تناديني بـ معلّـمـي، أنتَ عالـمُ البلد و شيخُـهـا و أنـا أبو حسن الخيــاط!!

_ العـلّامـة الحـامد -بابتسامة ود-: بل أنتَ مُـعلّـمـي؛ ألـمْ يأتِ بي أخي “بـدر الديـن” إليكـم و بقيـتُ عندكـم في محلكم في سـوق الطويـل “صانعـاً” في مهنـة الخيـاطـة مدة من الـزمـن، و أنـتَ الذي كنـتَ تصطحبني معـك إلى الجـامـع في أوقـات الصلوات، و تحنو عليّ فتأتينا بالطعـام الذي صنعتْـه “أم حسـن” …. فأنتَ مُـعلمـي.

_ الحـاج أبو حسـن -بتواضع-: يا شيـخ محمـد أنتم الآن عالـم البلـد و شتـانَ بيني و بينكـم، و مدة عملكم معي لم تكن طـويلـة عندمـا تفرَّغتـم لطلبِ العلـم.

_ العلامـة الحـامد : و لكنكـم معلّـمـي!!!

رحـمَ اللهُ العـلامة الحـامـد الذي قـدم القـدوةَ الراقيـةَ في حِفظِ الودّ و الإحسـانِ لمَـن أحـسنَ، و حِفْـظِ قـدرِ ذوي الهيئـاتِ و الفضـلِ و الوجاهـة، و رحم اللهُ معلِّـمَـه التقـي شيخ الخيـاطيـن “أبـو حسـن” الذي قـدّم صـورةً مشـرقـةً من التواضـع و الحيـاء، و هـو الرجـلُ العلَـمُ من أعيـان البلـدِ الذي لازمَ و صحبَ كثيـراً من -إنْ لـم نقـلْ جميـعَ- أعلامِ حمـاة و في مقدمتهـم المفتـي رائد النهضة ( الشيـخ العـالـم محمـد سعيـد النعسـان [1867 – 1967مـ] ) .

 

▪️ثـالثـاً : خشيتُـه و بكـاؤه و ورعُــه 

➖ لا نبالغُ إذا قلنـا بأنّ العـلامـةَ الحـامـدَ كان دائـمَ المـراقبـةِ للـه -سبحـانـه- شديدَ الخشيـةِ لـه -سبحـانـه- يُـلـزِمُ نفسَـه بـأحـلِّ الحـلالِ لذلك عُـرِفَ الحـامـد بـورِعــه المتـوَّج بسلطـان العلـم.

و مـن شديد خشيتـه للـه -سبحـانـه- ما رواه معـاصـروه و طـلابُـه عن حـالٍ تتملكُـه من البكـاءِ فجـأةً و هـو يقـدّمُ دروسَـه العَقَـديّـة في علـم التـوحيـد فيـرى إقبـالَ النـاسِ عليـه يتلقّفون دروسَـه العلميـةَ و كلمـاتِـه فيتأثـرُ لمشهـد حضورِ الناس الذين اجتمعوت حولَه و كيـف طوَّعَ اللـهُ لـه قلوبَ عبـاده و رزقَه القَبولَ فيجهـشُ بالبكـاء و هـو يـردّدُ: – فـعـالِـمٌ بعلـمِــه لــم يعــمَـلَــنْ *

مُـعــذَّبٌ من قَبـلِ عُـبّــادِ الـوثــن

لقـد أدركَ بفطـرتِـه و ملازمتِـه لأهـل العلـم و التزكيـة و صحبتـه لكـتـابِ الله حقيقـةَ قـولـه -تعـالى- {… أتـأمرونَ النـاسَ بالبـرِّ و تنسَـونَ أنفسـَكـم و أنتـم تتلـون الكتـابَ، أفلا تعقـلـون؟!}[سورة البقرة:44]

و كـم ردّدَ:

((النـاس تقـول “محمـد الحـامـد” و مَـنْ هـو “محمد الحـامـد” إنْ لـم يرحمْـه الله ؟!

“محمـد الحـامـد طبـل فـاضـي “!!)) حيثُ لا يرى لنفسـه شأنـاً يفوقُ عامـة النـاس و لعـلَّ مـردَّ ذلك لإخـلاصـه الشديد -لا نزكيـه على الله- لذلك نراه يردّد كثيـراً في السياق ذاتـه عبارتَـه التي غدتْ عَلَمـاً عليـه و نَـسجَ منهـا مقالَـه المنشور في كتاب “كلمـات و أحاديث الجمعـة” حيث يقول: ((أحـبُّ الإخـلاصَ و الإخـلاصَ في الإخــلاص !! ))

➖ و قد رُويـتُ عـدةُ مواقفَ عن ورعـه لعـلَّ أشهـرَهـا مـا رواه (الـدكتور عبـد الرزّاق أشـرف الكيـلاني -رحمـه الله -[1925 – 2005 مـ] ) حولَ رفضـه الصعـودَ معـه في سيـارة المستشفـى لأنهـا ليست خاصـة بالدكتور بل هي سيارة حكوميـة عامّـة، و إذا صعدَ معهـم سيزدادُ وزنُ راكبـي السيارة و بالتالي سيزدادُ استهلاكُهـا من الوقـود حيثُ جرى بينهمـا حوارٌ أثبتـه الدكتور في أحد كتبـه -يمكـن الرجوعِ إليـه- …. و في هذا الإطـار إطـارِ الورع نعرضُ لصـورة أخـرى و هي :

كانَ الشيـخ الحـامـد يركـبُ بـاصَ النقـلِ الداخـلـيّ صباحـاً لضمان وصولـه إلى “ثـانويـة ابـن رشـد” في الموعد المحدد فلا يتأخـر عن دروسـه الصباحيـة، و عنـد دفعِ أجرة النقـل يرفضُ جبـاةُ البلـديـة أخـذَ الأجـرة من الشيـخ احتـرامـاً لـه و إجـلالاً لمكانتـه؛ فيقول لهـم الشيـخ: “أنتـم موظفون و تعملـون في البلديـة و لستُـم مَنْ تملكـون الباص و عليـه يجـبُ أن تأخذوا الأجـرة شأني شـأن أيّ راكـبٍ من الركـاب لأنـه مالٌ يعـود لخـزينـة المـال العـام …”

لكن لا جـدوى من ذلك ؛ و يصـرّ الجباةُ على موقفهـم بعـدم أخذِ تَعـرِفَـة النقـل من الشيـخ، و لكـن الشيـخ لا يمكـنُ أنْ يقبـلَ لأنّـه مالُ عـام، و بالمقـابـل لا يريـد أنْ يكسـرَ خاطـرَهـم فيبحـثُ عن مخـرَجٍ شرعـيّ يعيـدُ فيه ثمـنَ تـذاكـرِ النقـلِ لخـزينـة الدولـة فيقـومُ بشـراء طوابـعَ بريـديـةٍ بقيمـةِ عددِ المرات التي ركبَ فيهـا باصـاتِ النقـل و يقومُ بإتـلافِ الطوابـع!! و بذلك يكونُ قـد أعـادَ ثمـن التذاكـر لخزينـة المـال العـام، إذ أنّ الجبـاةَ ما هم إلا موظفون و لا يملكون حـقّ التخلي عن ثمـن التذاكـر لأيّ راكـب كان.

➖ و قـد عُـرضـت على العـلّامـة الحـامـد المنـاصـب الشرعيـة في الدولـة حيثُ عُرضَ عليـه منصـب المفتـي العـام لمحافظة حمـاة ، و غيره من المناصب في وزارة الأوقـاف في العاصمـة دمـشـق غيـرَ أنّـه رفـض المناصـب كلّها و هـو يقول لهـم: لا أصـلحُ للمنـاصـب لأنّنـي إذا رأيتُ مخالفـةً شرعيـةً أو خطـأً سأنبِّـهُ إليـه فأنـا لا أستطيع السكـوتَ و التجاوزَ عن أية مخالفـة، و يُتبـع كلامَـه بعبـارتِـه اللطيفـة مبتسماً:

((محمـد الحـامـد مثـل حجـر بقطـرميـز؛ كيفمـا تَحـرَّك بيكسـر!!))، طبعـاً توجيهاتـه و تصـويباتـه كلهـا في حـدود الأدب الذي تربّى عليه و نهلَـه من أدبيـاتِ أهـلِ العلـم و أخلاقِهـم.

➖ و من شدة ورعـه -رحمه الله- أنّـه يراقـبُ أيّ فعـلٍ يقـومُ فيـه فيعتمـدُ مبدأ الإيضـاح و النأي التام عن أيّة شُبهـة تأسيّاً بسنـة المصطفى -صلّى اللهُ عليه و آله و سلّم في الموقف المشهور من حديثه ((هذه أمّكم صفيّة -رضي الله عنها-))، و من ذلـك أنّه كان يمشي برفقـة زوجـه “أم محمـود -رحمهـا اللهُ و غفـر لهـا -” في حيّـه “باب البلـد” باتجـاه حي “الفـرايـة” و صادف وقـوفَ عددٍ من الشبـاب الحمّـاليـن في إحـدى زوايـا الحـي فسـلّم و تابـع طريقَـه مع زوجـه، و بعد أنْ قطـعَ مسافـةً توقفَ و تذكـرَ أمـراً فعـادَ إلى الشباب و قالَ لهـم:

(( هـذه أمُّكـم أمُّ محمــود …. هل سمـعـتُـم … أمُّكـم أم محمـود !!)) ، ففهـمَ الشبـاب مرادَ الشيـخ -رحمـه الله- فأطرقـوا رؤوسهم خجـلاً و أجابوه بأنهـم حاشـا أنْ يظنـوا فيـه سوءاً.

رحمـه الله كـان يراقبُ كـلّ فعلٍ و يخرجُ منه بمـوقف يُروى في التربيـة و السـلوك و التأسي بسنـة المصطفـى القـدوة.

 

▪️ رابعــاً : جنـازتُــه – رحمــه اللـهُ – :

➖ لقـد كانت جنـازةُ العـلامـة الحـامـد يومـاً مشهـوداً حيـثُ سـارتُ حمــاةُ عن بَكـرة أبيهـا في التشييـع، يتقـدمُهـم علمـاءُ المدينـة ممثلةً بـ (جمـعيـة العلمـاء)، و قد أغلقـتِ المدينـةُ أسواقَهـا؛ حتى سـوق الصـاغـة أَغـلـقَ متاجـرَه ، و قد حضـرَ الجنـازةَ وفـودٌ علميـة و رسمية من خـارج حمـاة حـيثُ حضـر من دمـشـق الشـام :

• العـلّامـة المـربي الشيخ عبـد الكــريـم الرفـاعي [1901 – 1973مـ]

• العـلّامـة المجـاهـد الشيـخ حسـن حبنَّكـة الميدانـيّ [1908 – 1978مـ]

• الشيـخ أحمـد كفتـارو [1915 – 2004 مـ] – حيث لم يكن قد استلم مفتي سوريـة بعد -.

• رائـد علـم الأجنـة الدكتـور البروفيسـور مأمـون الشقـفـة الحمَـويّ [1936 – 2012 مـ] حيثُ كانَ وقتهـا مدرسـاً محاضراً في جامعـة دمشـق و يعمـلُ في مستشفياتهـا قبلَ سفـره إلى ألمانيـا.

كمـا حضـر وفـدٌ كبيـر من علمـاء لبنـان جـاؤوا معـاً في حافلـةٍ واحـدةٍ من مدينـة طرابلـسَ اللبنـانيـة.

كمـا حضـر مـن مدينـة حلـبَ المنشـد المعـروف (أديب الدايـخ [1938 – 2001 مـ]) و قد أنشـدَ قصيـدةً في (جامـع الـسلطـان) بحضـور العلمـاء قبيـل تشييعـه -مُسجّلـة-.

و قـد ألقـى الشيـخ العـالـم (عـبد الله بن العـالـم توفيـق الشيرازي الصبّـاغ -رحمهمـا الله و غفـر لـهمـا [1931 – 2015 مـ]) كلمـةَ حمـاة ممثِّـلاً عائلـةَ الشيـخ و جمعيـةَ العلمـاء.

و قـد سارتْ الجنازةُ مشيـاً على الأقـدام و ما وصـلتْ (مقبـرة بـاب البـلـد) نتيجـة الازدحـام الشديـد إلا قبـل المغـرب حيث دُفـنَ فيهـا، قبلَ أن يتـم نقـلُ رفـاتـه إلى (مقبـرة سريحين -جنوبي المدينـة) عقب قرار الحكومـة بإزالة مقبرة بـاب البلـد، و قد كان ذلك اليـومُ -يـومُ التشييعِ- حـارّاً و الشمسُ مشرقـةٌ من أيام شهـر أيـار [6 أيـار 1969 مـ]، و أثنـاء الـدفـن هطلتِ الأمطـارُ غـزيرةً حتى عادَ المشيِّعون و أقدامُهـم يعلوهـا الطين و الوحـل لشدة المطـر؛ حيثُ تم وضـعُ تسجيـلٍ قديم للشيخ -رحمـه الله- أثناء التشييع على مكبرات جـامـع السـلطــان يستغيثُ فيه اللهَ خلالَ صـلاةِ استسقاءٍ سابقـةٍ في حيـاتـه زمن الوحدة حيثُ كان مع المستسقين إلى الملعب البلدي الذي كانت أرضه من التراب قبل تعشيبهـا؛ فقلبَ جُبّتَه و قلّدَه المصلُّون المستسقون و أخذَ يلهجُ داعياً (( اللهـم اسقنـا الغيثَ و لا تجعلنـا من القـانطيـن )) فنزل الغـيثُ على دعائه في حيـاته و قد تلبدتِ السماءُ بالغيومِ و أرعدتِ، و كذلك بعد ممـاتـه في جنازتِه -رحمـه الله و أعلى قدره و نفعنـا بآثـاره و علـمـه-.

 

▪️ خـامســاً : أرسـلـوا أبنـاءَكـم للجيـش و كليـة الشـريعـة 

➖و مـن جميـلِ توجيهـاتِه الاستراتيجية بعيـدةِ النـظر -رحمـه الله-؛ و التي استقـاهـا من شيخـه رائـد النهضـة المفتي (العـلّامـة محمـد سعيـد النعسـان) تـأكيـدُه على توجيـهِ ذوي الطـلاب المتفـوقيـن في الثانـويـة العـامّـة إلى إرسـالِ أبنـائهـم لـدراسـةِ العلـومٍ الشـرعيّـةِ و العسـكـريّـة؛ فلا يكـون الـمتفوقـون و المبـرِّزون حكـراً على الكليـات و التخصُّـصـات الكونيـة و العلـوم التطبيقيـة فقـط، و ذلـك بِحثِّـهـم مـع الإصـرار الشديد لتسجيـلِ أبنائهـم في كليـة الشريعـة و الدخـول لمؤسسـة الجيـش!! حيثُ كانت رؤيتُـه تنطـلقُ من أنّ الشريعـةَ تحتـاج قدراً راقيـاً من الذكـاءِ و سلامـةِ التفكيـر و المنطـق، و العقـول النقيـة النظيفـة، و مستويـاتٍ عُليـا من الهمـة و البحـث و الإبـداع؛ فلا يذهـبُ لكلية الشريعـة أصحابُ الهِممِ المتدنيـة و الإمكانيات الفكريّـة المحدودة -كما نرى في واقعنـا إلا مَن رحـم ربيّ-؛ و ذلك لنخـرجَ بعلمـاء حقـيقيـن واعيـن مـدركين جوهـرَ إسلامنـا يقودون المجتمــعَ الإسـلامـيّ على هـدىً و بصيـرةٍ و جـرأةٍ و ثبـات؛ يسبقون زمـانَـهـم استشرافـاً و يدركـون كُنهَ الواقـع و ما يتطـلبُـه من أحكـام، و يكـونون في الآن ذاتـه على جانبٍ كبيـر من المسؤوليـة بمتـابعـة ما يستجـدّ في واقعهـم و العـالَـم من أحـداث و مُـلمّـات، و ما يطـرأُ من توجُّهـات و أفكـار.

و كذلك يدعـو للـدخـول إلـى الجيش الذي يمثـل المؤسسةَ العسكـريـة و يصـرُّ على ذلـك لأنّـه يرى أنّ البـلاد إنمـا تُبنـى بذراعَـي العـلـم و القــوة؛ علـمٍ يضبطُـه و يتصـدَّرُ سـدّته علمـاءُ ثقـات متمكنـون، و قـوةٍ يضطبهـا العلمـاءُ الربـانيـون.

➖و هنـا مَلـمَـحٌ يستدعي الـوقـوفَ عنده مفـادُه أنّ العـلّامـةَ الحــامــد و شيخَـه المفـتى النعسـان -رحمهمـا الله- كانـا يصـرّان في التوجيـه السابق على أبنـاءِ العـوائـل الأصيـلة العريقـةِ المـوسومـةِ بالصـلاح و الـرُّقـي و الحضـور الاجتمـاعـيّ؛ فمَـن لـه أصـلٌ و دِيـانـة لـن ينحـدرَ في الفسـادِ و الإفسـاد، فأصـلُه يحجـزُه عن النقـائص، و دِينُـه يحـجـزُه عن الظلـم و الفسـاد، و لعـلّ هـذه الرؤيـةَ لهـا ما يدعمهـا من أصـول لـدى رائـد و مؤسِّسِ علـمِ الاجتمـاع العـلامـة ابـن خلـدون [732 – 808 هـ ||1332 – 1406مـ] التي أوضحهـا في مقـدمتـه الموسومة بـ ( مقـدّمـة ابـن خلـدون ).

 

💠 مِـســكُ الختــام 

سيكونُ خـتـامُنـا معـكم -قّرّاءَنـا الأفـاضـل- مع نهـايـةِ هذا اللقـاء الأنيس بذكـرِ منـاقبَ من سيـرةِ رجـلٍ من رجـالِ العلـم و الصـدارة الاجتمـاعيـة و المواقـفِ الجـريئـة و الريـادة الفكـريّـة ختامـاً غيرَ مألـوفٍ من حيثُ مضمونـه يقومُ على فكـرة المـراسـلات التي كان يجريهـا العلامـةُ الحـامد مع المفكرين و العلمـاء خارجَ حدود حمـاة و سوريـة الشـام حتى وصلت مراسلاتُـه لأعـلام و مفكـرين من عالمنـا العربيّ فاتحـاً معهـم قنواتِ التواصـل العلمي و الفكـريّ بمـا يخـدمُ نهضـةَ الأمّـة، فيُهدِيهـم كتبَـه و ما يصـدرُ لـه من مؤلفـات، و هـم بدورِهـم يردُّون عليه و يُرسلـون و يتجاذبـون مسائلَ العـلـم، و التيارات الفكـريّـة المختلفـة -و المنحرفـة- التي تعصـفُ بواقـع الأمّـة.

و من هذه المراسـلات المميزة مراسـلاتُـه مع المفكِّـر و المؤرّخ العـالـم العراقي و القـائـد العسكـريّ (اللواء الـركـن محمـود شِيـت خطـاب -رحمـه الله- [1919 – 1998 مـ] ) حيثُ أرسلَ لـه العـلامـةُ الحـامـد مُهـدياً لـه كتابَـيـه (ردود على أباطيـل – نظرات في اشتـراكية الإسـلام) فأُعجـبَ (اللواء الركن محمـود شيت خطـاب) بهذين الكتابين و أرسـلَ لـه رسـالـةً مكتوبـةً بخط يده بالحبـر الأخضـر السائـل -حيثُ كانَ وقتهـا مسـؤولاً رفيعـاً في الدولـة و مستشاراً للرئيس العراقيّ عبد السـلام عـارف- تنـمُّ كلمـاتُـه عن أدبٍ رفيـعٍ و جميـلِ تقـديرٍ نقتبسُ منهـا هذا المقطـع الذي حاولنـا ضبطَـه و مراجعتَـه من ذاكـرةِ حـامـل الرسـالـة للشيـخ الحـامـد -جزاه الله خيـراً- :

(( إلى سيـدي الشيخ محمـد الحـامـد.. أشكـرُكـم على ما أهديتمـوه لي من كتـابَيكـم ” ردود على أباطيل وَ نظرات في اشتراكيـة الإسـلام ” ..

فقد قرأتُ كتابَيكـم و وجـدتُ فيهمـا علمـاً و مـع العلـمِ ورعـاً ظاهـراً فيمـا تكتب.

و قد تصـوَّرتُ شكلَـكـم قبلَ أنْ أراكـم، و أرجـو أنْ يمُـنَّ اللهُ عليَّ و أزورَ الشـام، و أقصـدَ حمـاةَ و أجلسَ إلى رُكبكـم، و أُحاورَكـم ..

و أستميحكـم بالموافقـة لأنقـلَ من كتابكم الـ ردود فصـل “حالُنـا مع اليهـود لا تحلُّهـا إلا القـوّة” لأضمِّنهـا أحـدَ كتبي التي أُعدُّهـا …)) أ.هـ بتصـرف بسيـط

و فعلاً نَـشرَ الفصـلَ في كتابـه (قـادة فتـح المغـرب العربـيّ) ، و وثّـقَ اسـمَ المصـدر في الحاشيـة.

أغسطس 12, 2025 |

التصنيف: حماة اليوم |
الوسوم: مقال رأي

شاركها مع أصدقائك!

اقرأ أيضاً