
مجموعة من النسوة يعملن في المونة - الحاضر الكبير - صحيفة حماة اليوم
“حماة تنبض من جديد” والنساء يعانين.. عمالة قسرية وغياب الحماية الاقتصادية
مؤيد الأشقر – حماة
سنوات من الصراع والحرمان عاشتها المرأة السورية، خاصة في مدينة حماة، تحت حكم النظام السوري السابق، حيث كانت واحدة من أبرز ضحايا الفقر والحرمان والاستغلال.
ومن بين أكثر الأشكال إيلامًا لذلك الاستغلال، كانت العمالة القسرية التي دفعت آلاف النساء إلى سوق العمل، ليس طمعًا في الاستقلال أو الطموح، بل هربًا من الجوع، وإعالةً لعائلات فقدت معيلها بسبب الاعتقال أو القتل أو التهجير.
لكن وبعد سقوط النظام وتحرير سوريا، برزت تساؤلات كثيرة حول مصير المرأة العاملة وهل تحررت من ضغوط العمل القسري، أم أن الوضع المعيشي والأمني لا يزال يفرض عليها الاستمرار في ذات الدوامة.
عمالة قسرية وغياب للمعيل
منذ عام 2012، ومع تدهور قيمة الليرة السورية، اضطُرت آلاف النساء في حماة للخروج إلى العمل تحت ظروف قاسية، نتيجة الحرب، وفقدان المعيل، وغياب الدعم الحكومي.
لم يكن العمل خيارًا بل ضرورة للبقاء، خصوصًا للنساء الشابات والأرامل اللواتي وجدن أنفسهن يتحملن مسؤوليات كبيرة دون أي حماية قانونية أو سند اقتصادي.
من بين هؤلاء، تبرز قصة “أم محمد قياسه”، أرملة من حي طريق حلب، فقدت زوجها خلال حملة عسكرية، فاضطرت إلى إعالة أطفالها الثلاثة وحدها.
بدأت العمل في قطف الزيتون بمزارع الريف الشمالي، وكانت تتنقل يوميًا في شاحنة مزدحمة بالنساء، وتعمل من الفجر حتى الغروب مقابل أجر يومي لا يتجاوز 2000 ليرة، لا يكفي سوى لشراء الضروريات الأساسية.
واجهت أم محمد مشقة العمل البدني، بالإضافة إلى الاستغلال وسوء المعاملة من أرباب العمل، الذين كانوا أحيانًا يؤخرون دفع الأجور أو يتحرشون بالعاملات في ظل غياب تام لأي رقابة، ومع ذلك، ظلت صامدة، مدفوعة بحاجتها لإطعام أطفالها.
وحين تراجع العمل الزراعي، اتجهت لتنظيف البيوت، رغم ما كان يسببه لها من ألم نفسي. لكنها ظلت حريصة على تعليم أطفالها، قائلة: “ما بدي بنتي تعيش نفس الذل اللي عشته.”
بعد التحرير: مبادرات خجولة وواقع اقتصادي هش
مع تحرير سوريا وسقوط نظام الأسد المخلوع، بدأت بعض النساء يحلمن بتغيير حقيقي في أوضاعهن، خاصة بعد سنوات من العمل القسري في ظل ظروف الحرب.
في البداية، ظهرت مبادرات محلية محدودة سعت إلى تمكين المرأة من خلال توفير فرص عمل أكثر احترامًا، مثل إطلاق مشاريع صغيرة، أو تنظيم دورات تدريبية في الخياطة، أو دعم الصناعات الغذائية المنزلية، كما لعبت بعض المنظمات الإنسانية دورًا نسبيًا في دعم النساء المتضررات، خاصة الأرامل والمعيلات.
ورغم هذه الخطوات الإيجابية، ظل الواقع بعيدًا عن المثالية، فالبنية الاقتصادية بقيت متهالكة وسوق العمل محدود، والبطالة مستمرة في الارتفاع.
أما الفقر، فكان حاضرًا بقوة، يفرض على النساء الاستمرار في العمل تحت ضغط الحاجة، وإن اختلفت طبيعة المهن أو الجهات المشغّلة.
تُظهر المؤشرات في الوقت الحالي أن وضع المرأة العاملة في حماة لم يتحسن بالشكل الكافي، فالعمالة القسرية لم تختفِ بل تحوّلت إلى شكل جديد إذ أن الحاجة الاقتصادية ما زالت تضغط بشدة.
تشير فاتن سراقبي، إحدى الناشطات في قضايا المرأة إلى أن: “التحرر من النظام لا يعني بالضرورة تحررًا اقتصاديًا فالنساء ما زلن يعملن تحت ضغط الحاجة، وإن تحسنت بعض الظروف لكن التغيير الحقيقي يحتاج إلى بنية اقتصادية داعمة وليس فقط غياب النظام الأمني.”
فيما أشارت “خيرية” وهي شابة تعمل في الوقت الحالي في مخبز بريف حماة إلى أنها تعمل الآن بإرادتها أكثر من ذي قبل ولكن لأن ليس لها خيار آخر، فإن لم تعمل لن تستطع إطعام أخوتها.
“الوضع لم يتحسن كثيرا” تقول خيرية
بين صمود الحاجة وأمل التغيير
إنّ تجربة المرأة العاملة في حماة تكشف عن واقع معقّد، حيث لم تتعافَ بعد من آثار سنوات من القهر والضغط.
فرغم التحرر من السلطة الأمنية، لا تزال العمالة القسرية مستمرة بشكل غير مباشر نتيجة غياب الاستقرار والدخل والضمان الاجتماعي.
لكنّ المرأة السورية، أثبتت قدرتها على الصمود والمقاومة، وأظهرت مرونة كبيرة في مواجهة كل تلك الظروف.
يبقى الأمل في أن يواكب التحرير السياسي والوطني، تحريرًا اقتصاديًا واجتماعيًا حقيقيًا، يحفظ للمرأة كرامتها، ويمنحها حرية اختيار العمل لا القهر على القبول به.






