
الدولار يتراجع والأسعار ترتفع: معاناة السوريين بين الصيدليات وعيادات الأطباء
مؤيد الأشقر-حماة
في الوقت الذي يترقّب فيه السوريون انفراجًا اقتصاديًا مع انخفاض سعر صرف الدولار في السوق، تأتي أسعار الأدوية وأجور المعاينات الطبية كصفعة جديدة تزيد من أوجاعهم اليومية.
فبدل أن تنخفض الأسعار انسجامًا مع تراجع الدولار، تفاجأ المواطن بواقع معاكس، الأدوية ما زالت ترتفع، والمعاينات الطبية في تصاعد غير مسبوق.
وشهدت الأسواق السورية خلال الأشهر الماضية انخفاضاً في سعر صرف الدولار مقابل الليرة السورية عند مستوى أقل من 10 آلاف ليرة سورية لكل دولار واحد بعد أن وصل إلى 15 ألف ليرة قبيل سقوط النظام المخلوع.
هذا الانخفاض رفع الآمال عند السكان بهبوط أسعار السلع الأساسية وعلى رأسها الأدوية وبشكل خاص تلك المنتجة محليا بعد أن انخفضت جميع تكاليف الإنتاج.
أسعار الأدوية لا تعكس الواقع… والوزارة تتأخر في التسعير
من جانبه، أوضح الصيدلاني عزت أبو طوق أن الأدوية المتوفرة حاليًا في الأسواق السورية ما تزال مسعّرة على أساس سعر صرف يبلغ 15 ألف ليرة للدولار، وهو ما يشكّل عبئًا كبيرًا على المرضى، خاصة في ظل الظروف المعيشية المتدهورة.
وأشار أبو طوق إلى أن معامل الأدوية لم تُقدم حتى الآن على خفض أسعارها، رغم انخفاض سعر الصرف وتحسن نسبي في توافر المواد الأولية والمحروقات، التي كانت تمثل عوائق رئيسية في الأشهر الماضية. وأضاف أن بعض أصناف الأدوية شهدت ارتفاعًا إضافيًا في أسعارها، فيما حافظت أخرى على مستوياتها المرتفعة دون أي تعديل.
وعزا أبو طوق هذا الجمود في التسعير إلى ما وصفه بـ “التأخر غير المبرر” من قبل وزارة الصحة في إصدار لوائح تسعير جديدة تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية الراهنة، ما يترك السوق في حالة من الغموض ويفاقم معاناة المرضى.
تذمر واسع على منصات التواصل الاجتماعي من غلاء الأدوية… ومطالبات بتدخل عاجل
وتشهد منصات التواصل الاجتماعي يوميًا موجة من الشكاوى حول ارتفاع أسعار الأدوية في سوريا، في ظل عجز الكثير من الأهالي عن تأمين احتياجاتهم الدوائية.

ويعبّر العديد من المستخدمين عن استيائهم مما يصفونه بانفلات في الأسعار وغياب للرقابة، وسط اتهامات لتجار الدواء بالاستغلال، واتهامات للجهات المعنية بالتقاعس.

في هذا السياق، كتب أحد المواطنين ويدعى “أبو وليد” عبر حسابه على فيسبوك: “في البداية كانت الذريعة الإتاوات والحواجز وغلاء الدولار، لكن اليوم لا مبرر، الدواء أغلى من قبل، والفساد مستمر، والرقابة غائبة”.
من جهتها، أبدت “خلود” استياءها من اختلاف أسعار نفس الأدوية بين صيدلية وأخرى، قائلة: “الأسعار في الصيدليات سرقة علنية، ولا توجد جهة تحاسب. كل صيدلية تسعّر على مزاجها”.
في المقابل، أوضحت الصيدلانية ربى الأخرس، في تصريح لـ”صحيفة حماة اليوم”، أن تفهمها لغضب الناس لا يعني أن اللوم يجب أن يوجه فقط للصيدليات، مشيرة إلى أن الأسعار ارتفعت فعلًا بنحو 30% في الفترة الأخيرة نتيجة تقلبات سعر الصرف، وأكدت أن “حل المشكلة يتطلب تدخلاً فوريًا من وزارة الصحة لإعادة النظر في آلية التسعير”.
كما نفت الأخرس وجود تفاوت في أسعار الأدوية بين الصيدليات، مؤكدة أن هناك برنامج تسعير موحد معتمد من نقابة الصيادلة ومديرية الصحة، وأن الصيدليات مُلزمة بالبيع ضمن الأسعار الرسمية.
بين حقوق الأطباء ومعاناة المرضى
لم تقف شكاوى أهالي مدينة حماة عند حدود ارتفاع أسعار الأدوية، بل امتدت لتشمل الزيادة الملحوظة في أجور المعاينات الطبية، ما فتح الباب أمام نقاش واسع حول أسباب هذا الارتفاع، وتفاوت الآراء بشأن مشروعيته.
تقول أمينة قصاب، ربة منزل، إن تكلفة معاينة أحد أطباء القلب في المدينة وصلت إلى 300 ألف ليرة سورية، وتشمل إجراء تخطيط للقلب، أي ما يعادل نحو 30 دولارًا، وهو مبلغ تعتبره مرتفعًا جدًا مقارنة بمتوسط دخل السكان المحليين.
في المقابل، يرى عبد الرزاق أحمد أن من حق الأطباء تقاضي أجور عادلة، نظرًا للسنوات الطويلة التي يقضونها في الدراسة قبل التخرج وافتتاح العيادة، والتي لا تتم غالبًا قبل بلوغ سن الثلاثين.
لكنه يقر في الوقت ذاته بأن هناك “مبالغة واضحة” في تسعير المعاينات، حيث تبدأ من 50 ألف ليرة (ما يعادل 5 دولارات)، وقد تتجاوز 100 ألف ليرة (10 دولارات) لدى الأطباء المعروفين وفي بعض التخصصات الدقيقة.
هذا التفاوت في الآراء يعكس أزمة حقيقية بين متطلبات العيش الكريم للطبيب من جهة، وقدرة المريض على الوصول إلى الخدمة الصحية من جهة أخرى، في ظل غياب تسعيرة واضحة أو رقابة فعالة تضبط أسعار المعاينات
تحذيرات من انفلات صحي
المواطن السوري هو المتضرر الأول من هذا الواقع ويقف عاجزًا أمام معادلة معقدة، دخل محدود، ودولار منخفض، لكن الأسعار لا تنخفض، بل ترتفع في قطاع يفترض أن يكون إنسانيًا بامتياز.
الصورة العامة ترسم واقعًا مقلقًا، يُخشى أن يؤدي إلى عزوف المرضى عن زيارة الأطباء أو إلى لجوء البعض إلى بدائل غير آمنة للعلاج، مما قد يفاقم من الأزمة الصحية في البلاد.






