أ . د مرهف بن عبد الجبار سقا: عمل مدرساً لمادة التربية الإسلامية في ثانويات حماة،ومدرسا لمواد علوم القرآن والحديث في المعهد الشرعي "التكية الهدائية" أستاذا جامعيا في تخصص التفسير وعلوم الفرآن وخطيباً في مسجد الشيخ محمد الحامد و مسجد الأحدب. له العديد من المؤلفات في التفسير والإعجاز العلمي في القرآن والفقه وله العديد من الأبحاث العلمية المحكمة والمقالات العلمية المنشورة.

نافذة توعية (3) مع الأستاذ الدكتور مرهف السقا

الأمن الفكري الشرعي ضرورة للأمن والسلم الأهلي

أ د مرهف عبد الجبار سقا

إن السلوك الإنساني لا يصدر عن صاحبه دون خلفية فكرية أو دافع عقلي نفسي، ففاعل الخير يقوم بفعل الخير من دافع اعتقادي بآثار فعل الخيرات وثوابها، وبدافع نفسي يتجلى بحبه لهذا الفعل ورؤية الابتسامة في وجوه المحتاجين، وكذلك المجرم يقوم بجريمته بدافع عقلي يبرر له فعله وبدافع نفسي يعطيه العزم على جريمته بقصد.

وقد هذب الله الإنسان بالعلم، وضبط دوافعه بالعلم، وجعل الله سلاح الإنسان في عمارة الأرض “العلم”، فبعد أن قال الله لملائكته إني جاعل في الأرض خليفه، قالت الملائكة: (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك، قال إني أعلم ما لا تعلمون، وعلم آدم الأسماء كلها…)، فمنَّ الله على آدم بالعلم الذي به يبني الأرض ويعمرها.

ولما كان الإسلام للبشرية يحمل رسائل الأمن والأمان والسلام والاستقرار لهم؛ كانت أول آية نزلت على الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم هي (اقرأ)، التي تحمل دلالة العلم من أهم أبوابها.

فالعلم يهذب عقل الإنسان ويضبط دوافعه ويربط بين نيته ومقصده، ويوضح له سبيل الحق وبه يميز بين الحق والباطل والضار والنافع، وبالعلم يميز المسلم بين ما ينبغي فعله وما لا ينبغي فعله.

هذه المقدمة لا بد منها في بيان أهمية العلم كأساس مهم في بناء سوريا والطريق إلى أمنها وامانها.

ما زلنا في ضمن الأشهر الثلاث الأولى بعد سقوط النظام الطائفي البعثي، وبقدر ما يتملكنا الفرح والسرور ويدفعنا الأمل إلى المبادرات والعمل، بقدر ما نقف أمام التحديات والصعوبات بمخاوف كثيرة لندرك أن مهمتنا جميعا في قيادة سوريا إلى الحياة الكريمة ما زال بحاجة إلى صبر ووعي.

وإن من أهم المخاوف والصعوبات التي ينبغي الحديث عنها هي الأمن الفكري، وأعني به شعور الناس بالأمان على ما تحمله من قناعات وأفكار مع ممارستها العمل في بناء بلادها، وشعورها بالأمان عند إبداء الرأي دون الخوف من الفصل الوظيفي أو الإقصاء والتهميش أو السجن لمخالفة الرأي، أو التصنيف، أو التهديد…الخ.

إن تحقيق هذا الأمن الفكري أساس في استقرار المجتمع، واستقرار المجتمع أساس في استقرار الدولة داخليا، واستقرار الدولة داخليا سيحقق بالضرورة قوة الدولة خارجيا.

إن شعب سوريا عموما شعب متدين في فطرته، سريع التفاعل والرجعة إلى الله، ويشكل التدين ركنا أساسيا في إدارة حياته وتكوين فكره وأخلاقه، وكلنا يعلم أن النظام البائد كان يتقصد إهانة السوريين في دينهم من خلال إشاعة سب الدين والذات الإلهية المعظمة، وإماتة مظاهر التشريع من الحجاب والصلاة والصوم وغيرها، واهتم بتركيز العداوة بين فئات المسلمين وتعزيز التفرقة بإيجاد جماعات باسم الصوفية وأخرى باسم السلفية والوهابية ونحوها فيضرب هذه بهذه، ويثير الرأي العام في نشر المسائل الفرعية الخلافية ويضخمها، حتى تأخذ حيزا كبيرا في تفكير الناس وكأنها كل الدين …نعم لقد كان لإشاعة هذه التسميات ونشر المسائل الخلافية بين عامة الناس دوراً في تشويش التدين وفهم الإسلام وفهم أحكامه، وكان هذا منهجه في عدم الاستقرار الفكري الشرعي وإبقاء حالة التفرقة موجودة بين فئات المتدينين حتى لا يستقر لهم رأي ولا يلتفت أحد إلى إصلاح المجتمع أو تعليم الناس مهمات دينه أو فهم الإسلام فهما علميا صحيحا.

وعندما أنعم الله علينا بالتحرر من النظام الطائفي المجرم سمعنا ما يدعو للتفاؤل والطمأنينة، سمعنا من المسؤولين في الحكومة في بدايات استلامها رسائل تطمن طلاب العلم خاصة والشعب عامة بأنها تهتم بالعمل على تأمين المجتمع إلى جانب توفير الخدمات بقدر استطاعتها.

ولكن أهم ما سمعنا مما يخص موضوعنا هنا هو توجيهات المسؤولين في وزارة الأوقاف ومن العلماء بأن الاسم الذي يجمعنا هو الإسلام، وأن تسميات “الأشعرية والماتريدية وأهل الحديث والأثر”؛ كلهم أهل السنة والجماعة، ويمنع التهجم على أحد، وأننا نأخذ بالمذاهب الأربعة …الخ، نعم كان هذا ما تكرر سماعه عنهم في مناسبات عديدة، وكان لهذا الخطاب المعتدل الحق أثرا مهما في الأمن الفكري الديني والراحة العلمية الشرعية، يجعل طالب العلم والعالم يتوجه نحو لملمة الجراح ورأب الصدع وسد الثغور التي أحدثها الفساد الممنهج الذي قام النظام البائد عليه.

إلا أننا ينبغي أن نتكلم بصراحة بأن هذا التوجيه يحتاج إلى متابعة في الواقع العملي، ذلك لأننا نجد بعض التجاوزات من بعض طلاب علم لا يتسمون بالوعي، جعلوا شغلهم الشاغل الصراع مع المخالفين له في رأي شرعي أو عقدي، ويتكلم كأن الله لم يهد غيره، فصار يتهجم على مخالفيه وينثر أحكامه على الناس ويصنفهم في دروسه أو نصائحه، أو في خطبه وكأنه يجلس على ميزان يوم القيامة يوزع الجنة والنار على من يريد، يخاطب الناس بعاطفة خالية من العلم، ويثير المسائل الخلافية بين الناس خاصة فيما يتعلق بالعقائد، وكل دأبه في دروسه محاسبة أئمة المسلمين وعلمائهم يصنفهم إلى مهتد وضال ومبتدع، فإذا وضع على محك العلم هرب.

إن هذا النوع ممن استلم المنابر أو تصدر الدروس أو تسلط على الناس باسم الشرع وهو لا يمثلها لا يحقق الأمن الفكري الشرعي، ولا يؤسس إلى سلم أهلي، بل يسرِّع بشرخ المجتمع وتقسيمه واقتتاله وانعدام الاستقرار، ذلك لأنهم يعلمون أن بقاءهم مرهون ببقاء إثارة الخلافيات واستمرار المصارعة مع المخالف، لضعف حجتهم واستبدادهم الفكري.

إن الأمن الفكري والسلم الأهلي مرتبطان بشكل وثيق، هذا ما تعلمناه من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم، فعند قدومه إلى المدينة بدأ بالمؤاخاة الإيمانية بين المهاجرين والأنصار، ثم عقد صلحا من القبائل اليهودية التي كانت حول المدينة، وعندما ظهر المنافقون في المدينة المنورة وصاروا كثرة عاملهم الرسول صلى الله عليه وسلم معاملة المسلمين كما يبدوا في ظاهرهم؛ علما بأن القرآن صرح بأنهم يبطنون الكفر ومحاربة الله ورسوله، فقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي”.

فهل تريدون أيها السادة أن يتحدث الناس بأن المسلمين يكفر بعضهم بعضا، ويسعى بعضهم في تقسيم المسلمين إلى (معي أو ضدي) تحت شعار الكتاب والسنة الذي هو في الأصل جامع للمسلمين، فهل يرضي هذا الله ورسوله، فهذا ما لم نعهده من علمائنا في سوريا.

تميز تشريعنا الإسلامي بالاختلاف في الفروع الفقهية والعقدية، من عهد الصحابة رضي الله عنهم حتى يومنا هذا، ويعد هذا الاختلاف رحمة للأمة حيث وسعهم التشريع، ولم يكن هذا الاختلاف سببا للتنافر إلا عند صغار العقول وأنصاف العلماء عندما تصدروا الساحة وبرزوا يفتون للناس وظهر على أثرها التعصب المذهبي وتسبب بالاعتداء على العلماء والأئمة. ولذلك فإني أتوجه إلى المسؤولين في مديريات الأوقاف بالرجاء أن يحرصوا على الأمن الفكري الشرعي وذلك من خلال:

1- نبذ الدعوات المفرقة والخطابات العاطفية وخاصة التي تحمل الكتاب والسنة التي تؤدي إلى الفتنة الفكرية، والأخذ بقوة على يد كل من يستخدم أسلوب التبديع والتضليل والتصنيف وإبراز عضلاته تحت شعارات تختفي تحتها حظوظه النفسية، وإبعاده عن الخطابة والتدريس والحجر عليه.

2- نبذ الخطاب الاستعلائي وتشجيع الحوار العلمي بالدليل والأدب في مجالس علمية خاصة.

3- عدم تهميش أهل العلم وطلاب العلم من أهل البلد وعدم استجلاب طلاب علم من خارجها مكانهم.

4- رفض فرض لون واحد أو رأي واحد على الناس في الأحكام الفرعية وما يدخله الاجتهاد.

5- مراعاة عرف الناس في حياتهم واعتقاداتهم إلا ما خالف نصا قطعيا لا يحتمل التأويل.

6- مخاطبة الناس بما يعقلون وتجريم طرح المسائل العقدية الخلافية وخاصة التي تحتاج إلى شرح وتدليل بين الناس .

مارس 3, 2025 |

التصنيف: في العمق |
الوسوم: مقال رأي

شاركها مع أصدقائك!

اقرأ أيضاً