أ . د مرهف بن عبد الجبار سقا: عمل مدرساً لمادة التربية الإسلامية في ثانويات حماة،ومدرسا لمواد علوم القرآن والحديث في المعهد الشرعي "التكية الهدائية" أستاذا جامعيا في تخصص التفسير وعلوم الفرآن وخطيباً في مسجد الشيخ محمد الحامد و مسجد الأحدب. له العديد من المؤلفات في التفسير والإعجاز العلمي في القرآن والفقه وله العديد من الأبحاث العلمية المحكمة والمقالات العلمية المنشورة.

نافذة توعية (2) مع الأستاذ الدكتور مرهف سقا – صحيفة حماة اليوم

الحرية مفصل عصب الشعب السوري، ومكتسب يجب الحفاظ عليه

أ د مرهف سقا – حماة

إن الحرية فطرة ربانية خلق الله عباده عليها، ولما كان الإنسان مفطورا على هذه الحرية فقد خلق له اختيارا، وجعله مكلفا بواجبات وحقوق، وأرسل إليه الرسل، وأنزل له كتبا وحيا من عنده فيها التشريع والعقيدة، ثم قرر له هذه الحرية بقوله سبحانه في كتابه {وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ } [الكهف: 29]، ورتب على هذا الاختيار والحرية ثوابا وعقابا دنيويا وأخرويا، وقد نهت الشريعة الإسلامية عن استعباد الحر وعدته كبيرة من الكبائر وحضت على تحرير العبيد ورغبت به وجعلته جزء من الكفارات الشرعية.

إن هذه الحرية أصل في شخصية الإنسان ومرتبطة بكرامته، وركن أصيل من أركان قوة شخصيته، ومن يفقد حريته يضعف رأيه وتذهب هيبته.

لقد قامت ثورة الشعب السوري على نظام الاستبداد الطائفي البائد وكان مطلبه الأول الذي رفعه شعارا في مظاهراته وبياناته هو أن ينال حريته، وكان من أهم الشعارات التي يرددها في مظاهراته (حرية للأبد غصبا عنك يا أسد).

لقد تعامل النظام البائد مع الشعب السوري بسياسة السيد والعبيد، فكان يعتبر نفسه السيد المطلق الذي يمنح الحياة لشعبه وله الفضل عليه بأن أبقاه حياً، يوفر له الطعام والشراب من فتات ما يسلبه من خيرات سوريا، وكما أن العبد لا يملك نفسه ولا كلمته فكذلك كان يريد النظام البائد أن يستعبد الشعب السوري، قلا يتنفس الشعب ولا يتكلم ولا يكتب إلا بإذنهم أو موافقتهم، وكل من يخرج عن الخط المرسوم فالويل له ولعائلته، فامتلأت سجون النظام البائد بمئات الألوف من معتقلي الرأي لأنهم تجرأوا على الكلام او الاعتراض أو التفكير بإبداء الرأي، وقد شهد العالم بعض ما حصل في سجن صيدنايا من الإجرام والتنكيل، كما امتلأت الدنيا بالمهجرين السوريين والملاحقين ممن عارضوا النظام البائد وهربوا من سوريا خوفا من بطشه وبقوا في مهجرهم عشرات السنين ومنهم من قضى نحبه قبل أن يرى سقوط النظام الإرهابي.

لقد أراد حزب البعث منذ استلام الحكم ثم النظام الطائفي من بعده سلب هذه الفطرة الربانية، فكم رأينا من مشاهد قتل الشباب وإهانة الناس وتجويعهم وتهديدهم لأنهم طالبوا بحريتهم، وكانت الكلمة المترددة على ألسنتهم (تريد الحرية؟!)، ذلك لأن هذا النظام البائد كان يعتبر سوريا مزرعته والشعب يعمل في هذه المزرعة استعبادا.

وها نحن الآن نشهد فرحة الشعب باستعادة حريته وإعادة اعتباره وقوته وكرامته، فالحرية من أعظم مكتسبات انتصار الثورة السوري على هذا النظام الاستبدادي، والمحافظة على هذا المكتسب يحتاج إلى وعي كبير.

يتمثل هذا الوعي بأن نعزز مفهوم الحرية الصحيح في ثقافتنا الخاصة وثقافة الشعب السوري، فالحرية لا تعني أن تفعل كل ما تشتهي كما هي في المفهوم الغربي الفوضوي، بل الحرية أن تمارس حقك ضمن القيم الأخلاقية والآداب الشرعية والقانونية، فليس كل ما تشتهيه هو حق لك، فالزنا مما تشتهيه النفس ولكنه ليس حقا للإنسان يطالب به ويمارسه، والشذوذ تشتهيه النفوس المريضة ولكنها ليس حقا لهم يطالبون به؛ لأنه مخالف للقيم والأخلاق والشرائع والقوانين والطباع البشرية السليمة.

إن من الوعي أن ندرك بأن ثمة ترابط بين الحرية غير الواعية والفوضى، فقد تصير الحرية فوضى إن فهمت على أنها القيام بكل ما ترغب به متى شئت وكيف شئت، دون الضوابط التي تحدثنا عنها سابقا، فالحرية لا تكون إلا بضدها، ولا يمكن فهمها وتطبيقها دون انضباطها بالقيم الأخلاقية والتشريعية.

فلا يجوز أن يسرق الإنسان شيئاً بدعوى أنه أراده ويحبه وأنه حر بطريقة أخذه، لأنه في هذا السلوك تعدِّ على حقوق الآخرين وأملاكهم.

فسب الدين والرب والأديان ليست حرية، بل هي وقاحة وتعدي على العقائد وفساد في الطبع والتفكير.

والمرأة المبتذلة بلباسها تمارس ما تحبه؛ ولكنها تؤذي الآخرين إيذاء بصريا ونفسيا، وفي هذا تعدي على حقوق الآخرين.

فإذا لم ننشر مفهوم الحرية المنضبط فإن شبابنا ومجتمعنا سيؤتى من قبل مفهوم الحرية الفضفاض لنشر الفوضى، أي إن عدونا الذي فقد مصالحه في سوريا ويتربص بنا بعد انتصار الشعب السوري على هذا النظام البائد سيقوم بدواعي الحرية على إثارة الشغب، ويسلط السفهاء لاستفزاز المجتمع ونشر الفوضى ليتطور الأمر سياسيا إلى التداعي لطلب التدخل الخارجي في شؤون سوريا وفرض وصاية دولية عليها والتحكم بها وبقوانينها، وقد رأينا مثل هذا عندما قامت مجموعة صغيرة من فلول النظام البائد بالمناداة بدولة علمانية باعتبار أن هذه حرية لهم، فأخذ الإعلام الغربي بتسليط الضوء عليها لتضخيمهم، وسنرى مجموعة من فئات المجتمع كانت متسلطة على رقاب الشعب السوري وفقدت قوتها وقيمتها ستقوم بإثارة الشغب تحت مظلة الحرية… وقد ترون في المستقبل مجموعة  صغيرة من الشاذين يرفعون شعاراتهم في أماكن عامة؛ ويسلط الإعلام عليها الضوء، كل ذلك سترونه بل قد رأينا بعضه لإثارة الفوضى، فإن استمرت هذه الفوضى سيكون بعدها المطالبة بوصاية دولية على سوريا وسحب البساط من تحت الشعب السوري الثائر لإعادته إلى الاحتلال والاستعباد والتحكم من الدول الخارجية.

هذا كله وغيره لا ينجح إن كان الشعب على قدر من الوعي والمسؤولية بمفهوم الحرية وحماية المجتمع من الفوضى.

الوعي الثاني المطلوب منا هو أن الاختلاف أيضا فطرة كونية، وهذا الاختلاف مرتبط بفطرة الحرية، فطعم المأكولات وأشكالها اختلفت لاختلاف أذواق الناس وطبائعها، وكل فرد يختار من هذه الأطعمة ما يليق به ويحبه، ولكن هذه الطبائع والحرية منضبطة بقيم أخلاقية وتشريعية ربانية.

إن هذا الوطن الغالي يسع الجميع، وكل فرد فيه عليه واجبات كما أن له حقوقا، فكما أن له الحق في مطالبته بحقوق فإننا نطالبه أيضا بأداء واجبه تجاه سوريا،

إن حريتنا تتمثل بأن لا نكون عبيدا لغير خالقنا، وألا نعيش منقادين منساقين مكبوتين من طرفٍ يريد ممارسة ساديته وإرضاء رغباته ورؤيته.

نريد للعالِم أن يقول كلمته العلمية بقوة ودليل وحجة، لا أن يقول ما يرغبه الحاكم أو الحزب أو التيار الفلاني.

ونريد للطالب أن يختار تخصصه برغبة ومحبة وأن يظهر إبداعه، لا أن يكون خائفا من المسؤول الفلاني أو الجهة الفلانية فيكبت إبداعه ليهاجر إلى الخارج فيذهب خيره لهم.

ونريد للمرأة أن تمارس عملها الفطري والإنساني دون أن تفرط بحقوق بيتها وأولادها، لا أن تكون منساقة تحت ضغط التخويف أو طمع المال لتعمل ما يمليه عليها النسوية أو مؤتمرات دولية تهدف إلى إفساد المرأة المسلمة.

نريد للشعب أن يقول كلمته الصادقة باختيار حاكمه دون خوف أو اضطهاد، وأن يعبر عن رأيه في خدمات الحكومة وأداء الموظفين، وأن يشارك في المبادرات والمقترحات دون أن يخاف على نفسه أو أولاده من الاعتقال أو القتل أو التنكيل أو مصادرة أملاكه.

نريد للصناعة أن تزدهر وللتجارة أن تنشط في وسط سوق حر منضبط بالقيم والتشريع والقانون دون احتكار أو عصابات أو تحكم أفراد، أو فرض شركاء.

إن الحرية أيها السادة هي أحد أركان الشخصية القوية، ومن يفقدها فإنه يفقد قوته وثقته، والمجتمع القوي هو المجتمع الذي فيه أفراد أقوياء.

إن المحافظة على مكتسب الحرية وحماية المجتمع من الفوضى تكون على يد شبابنا الذين قامت الثورة على أيديهم وأكتافهم وبجهادهم، وينبغي أن يأخذوا دورهم في حماية الثورة ومكتسباتها.

ومن أهم وسائل الحفاظ على الحرية:

أولا: حماية المؤسسات الأمنية: وتتمثل هذه الحماية بتنسيب المخلصين من أبناء الثورة السورية وإبعاد الطائفيين وكل من كان سببا في ظلم الشعب السوري، فلذلك يجب أن ينتسب شباب الثورة لهذه المؤسسات الأمنية ويجب علينا تشجيعهم لهذا.

ثانيا: تنشيط الجمعيات العلمية والثقافية ومؤسسات المجتمع المدني: وإقامة الندوات الحوارية وتعويد الشعب على اختلاف الرأي واستيعاب المخالف، ونشر ثقافة أدب الحوار، وتفعيل قوانين احترام العقائد والأديان والأخلاق وأعراف المجتمع السوري.

ثالثا: تنشيط العمل السياسي: وسن القوانين لضبط ممارساته وتمثيله في البرلمان أو مجالس الشورى، وهذا يتطلب سن قانون الأحزاب.

رابعا: تنشيط المبادرات التطوعية والجمعيات الخيرية والأنشطة الطلابية في المجتمع وتحفز الشباب على الساعات التطوعية في المدارس والجامعات حتى يشعر كل فرد في المجتمع أنه ركن في بناء هذا البلد وأن له دورا ورأيا ينبغي أن يشارك فيه.

خامسا: تفعيل دور الرقابة الذاتية وتنمية حس المسؤولية لدى المجتمع، فالحرية لا تؤتي ثمارها إن لم يكن صاحبها على قدر من الخوف من الله والخوف على مصلحة بلده، وهذا يتطلب تربية أبنائنا على القيم الإسلامية والأخلاقية التربية الصحيحة.

 

ديسمبر 26, 2024 |

التصنيف: في العمق |

شاركها مع أصدقائك!

اقرأ أيضاً