حاجة العمل وفكر المجتمع.. قيدان يحرمان فتيات حماة من الزواج

الصورة خاصة لصحيفة حماة اليوم
نضال الياسين، تسنيم الشافعي- حماة

“العمل أو الزواج، خياران لا يتفقان مع بعضهما في محافظة حماة عند أرباب الأعمال” إستهلّت ريم الفتاة العشرينية من مدينة حماة، حديثها لـ “حماة اليوم” عن حزنها لنسيان فكرة الزواج خوفاً من ترك عملها، الذي يعيل عائلتها المكونة من أم وأخت بعد وفاة والدها وسفر أخيها الأكبر خارج البلاد هرباً من الخدمة الإلزامية وهو في سن الثامنة عشر إلى تركيا بطريقة غير شرعية.

ريم التي تقول أنها تقدّر جهد والدتها في عملها كموظفة حكومية وتعليمها برفقة أختها حتى استطاعت التخرج من كلية الآداب في حماة، لا تستطيع اليوم ترك والدتها بعد أن أصبحت إمرأة مريضة بأمراض قلبية مزمنة واضطرت للتسريح من عملها لعدم قدرتها على متابعة العمل، لتلجأ ريم إلى العمل كموظفة سكرتارية في أحد المعامل بحماة براتب وصل إلى خمسائة ألف ليرة سورية بعد سنة ونصف من العمل، والتي تعيل والدتها التي يبلغ راتبها التقاعدي ثلاثمئة ألف ليرة، ويسعون في سبيل إكمال تعليم الاخت الصغرى حنين، التي دخلت فرع الهندسة المدنية في حماة في السنة الأولى.

فقر حالهم وحاجتها إلى العمل، أجبرها على العمل في هذا المصنع رغم عدد ساعات دوام تتجاوز العشرة ساعات يومياً، والذي تقول بانه “يستهلك يومها بأكمله”، لكنّه لم يكن ذلك إيجابياً لمستقبلها، حيث أن صاحب العمل أبلغ ريم بأنه سيقوم بتسريحها من العمل في حال خطبتها وزواجها، وذلك لأن ساعات العمل لا تناسب المرأة المتزوجة، ولا يمكن إعطائها إجازات حمل أو أمومه بسبب عدم وجود شخص بديل، الأمر الذي أجبرها على رفض عدّة طلبات للزواج من شبّان متواجدون في حماة، وبذلك قررّت بأن مستقبلها مرهون بعدم زواجها حتى تمام تعليم أختها الأصغر لتأمين مستقبلها، وبعدها ربما تبدأ التفكير بالزواج والإرتباط.

حظ ريم في عدم تقدّم شبّان ميسوري الحال لخطبتها، لتستطيع ترك عملها والإستقرار في بيت الزوجية، كان عائقاً يزيد من إصرار ريم على رفض فكرة الزواج طيلة خمس سنوات دراسة أختها، كما أنها ترفض إعالة عائلتها على عاتق الشاب الذي سيتقدم لخطبتها، حيث أنها تعتبر ذلك مسؤوليتها وحدها في حين تخلى عنها جميع أقربائها وباتت هي رب المنزل بكامل تفاصيله.

وحملّت مسؤولية مستقبلها إلى ربّ العمل الذي يجبرها على رفض الزواج مستغلاً حاجتها المادّية، كما أنها تخشى عملها الحالي وعدم قدرتها على إيجاد عمل آخر، يقبل بفكرة فتاة متزوجة، وهو ما تعانيه معظم فتيات حماة اليوم من إستغلالِ للوضع المادّي المعيشي الفتيات والتحكم بمستقبلهنّ.

حال سوسن الشابة الثلاثينية التي تخرجت من كلية الهندسة المعمارية من مدينة إدلب وتعيش في حماة منذ بداية الأزمة في سوريا، كان ذاته كحال ريم، التي تعمل على إعالة عائلتها مع أبيها نسبة للحالة الماديّة السيئة في تأمين إيجار منزلهم وقوت يومهم، تقول سوسن “يعمل أبي عامل في محل للحلويات في حماة، ويتقاضى 600 ألف ليرة سورية، وهو بالكاد يكفي إيجار منزلنا في حي جنوب الملعب بحماة الذي يبلغ 550 ألف ليرة شهرياً، وأصبح عملي ضرورة ملّحة لمساعدته في المصاريف المنزلية الشهرية التي تبلغ في حدّها الأدنى مليون ليرة دوناً عن الإيجار”.

وتضيف بأن عملها في مكتب هندسي بحماة لا يفرض عليها رفض الزواج، ولكنها خاضت تجربة خطبة مع شاب من مدينة حماة، رفض فكرة عملها وطلب منها المكوث في المنزل من أجل إنجاب الأطفال والتفرغ لتربيتهم، وبعد رفضه المستمر لفكرة عملها وإعالة أهلها، قام بفسخ الخطبة بهدف إستمرار عملها وعدم ترك أبيها رهينة للظروف.

تضيف سوسن “بأن رفض الشباب في حماة لفكرة عمل زوجاتهم يعتبر إجحاف بحق المرأة وسنوات دراستها التي دفعتها ثمناً من أجل بناء مستقبل لها ولعائلتها التي كان لهم الفضل في وصولها إلى ما وصلت إليه، فـ الشهادات الجامعية لم تخلق من أجل تعليقها على جدران المنازل، والاكتفاء بعمل المرأة كأم ومربية أطفال، وبإمكان هذه المرأة العمل وممارسة دورها كأم ومربية ومعيلة لأهلها ممن هم في أمس الحاجة إليها”.

وتؤكد سوسن بأنها عقب فسخ خطبتها، ألغت فكرة الزواج بشكل كامل من حياتها، سعياً في تأمين مستقبل جيد لعائلتها، وبأن حالها يشبه معظم حالة فتيات ممن نزحوا إلى مدينة حماة، ومن فتيات المناطق الشعبية ممن رهنوا حياتهم من أجل عائلاتهم ومحاربة للعقليات المتخلفة التي ترفض عمل المرأة للوقوف بجانب أهلها.

وتتفق سوسن مع ريم بأن مستقبل الفتيات اليوم بات في خطر كبير، مع تزايد عدد الفتيات الغير متزوجات بين ظروف العمل، وظروف أهلهم السيئة مادّياً من جهة، وبين الشباب المتقدم للزواج وعقلياتهم والعادات والتقاليد من جهة أخرى.

وبحسب تصريح وزارة الشؤون الاجتماعية في الحكومة السورية، في عام 2022 عن تزايد نسبة العنوسة في سوريا ممن تجاوزن سن الثلاثين عاماً دون زواج، فإن نحو 3 ملايين فتاة سورية عازبة تجاوزن سنّ الثلاثين عاماً، ونسبة العنوسة في سورية تقترب من 70%، وفق المعايير الاجتماعية المحلية، التي تُعرف بأن السن الشائع لزواج الفتيات بين سن الثامنة عشر والثامنة والعشرون.

وبحسب رأي عبير، الناشطة الحقوقية في محافظة حماة، والتي تعمل في إحدى المنظمات المحلية، فإن الحل الأمثل لمعالجة قضايا إستغلال عمل الفتيات وإجبارهنّ على رفض فكرة الزواج، مقابل إستمرارها في العمل، هو تناول هذه القضايا على وسائل التواصل الاجتماعي وفضحها، من أجل العمل على محاربتها وإيقاف هؤلاء التجار وأصحاب رؤوس الأموال المتحكمين بمستقبل الفتيات عند حدّهم، طالما أن القانون السوري لا يفرض عقوبات على ذلك.

وأضافت بأن هذه الظاهرة التي باتت حديث الشارع الحموي اليوم، في إستغلال ظروف الفتيات من قبل أصحاب العمل، والتحكم برفضهم وقبولهم للزواج، تقع مسؤوليتها الأكبر على المنظمات المحلية التي تتشدق في حماية حقوق المرأة والمطالبة بحقوقها، وضرورة محاربة هذا الأمر في رفع دعاوى قضائية بعد توثيقها إلى القضاء السوري، حيث أن المجتمع النسائي اليوم هو في أمس الحاجة إلى من يقف بجانبه، ويضع حدّاً للإستغلال بطرق مختلفة للمرأة وظروفها.

في حين أضافت بأن محاربة عقول الشباب الرافضة لعمل المرأة ووقوفها بجانب أهلها، يجب أن يكون منبع حلّه من دائرة الأوقاف الدينية في حماة، التي بجب أن تعمم على خطباء وأئمة المساجد في حماة بتوعية الشباب والرجال إلى حقوق المرأة الشرعية دينياً وإجتماعياً وإنسانياً في وقوفها بجانب أهلها، وبأن عملها طالما كان شريفاً، فمن حقّها وحق أهلها أن تعمل لبناء مجتمع صحّي لأبناءه بمختلف جنسه من الرجال والنساء، وخاصة بأن مجتمع مدينة حماة يُعرف بان خطباء المساجد هم بوصلة التوجيه الأولى فيها، وبالتالي صياغة هذا الأمر بشكل ديني يضمن الحصول على نتائج إيجابية كبيرة على صعيد حقوق المرأة في العمل وذو جدوى بكثير من المطالبات وحملات التوعية التي تقام في المنظمات والتي إلى اليوم لم تجدي نفعاً.
 


شاركها مع أصدقائك!

اقرأ أيضاً