حماة الجديدة .. نسيج اجتماعي جديد كما لم تعرفها من قبل

همام الكردي- حماة

باتت مسألة التغيير الديمغرافي التي تقوم بها حكومة النظام السوري في المناطق المعروفة بمناهضتها للحكومة أمراً محسوماً لا يقبل الجدال بين المؤيدين والمعارضين، تعمل على زرع المؤيدين في جميع هذه المناطق سعياً في فرض سيطرتها الديمغرافية عليها درئا لحركات معارضة مستقبلية يمكن أن تشكّل خطرا جديدا.ً

فمع التغييرات الديمغرافية التي شكلتّها القيادة في دمشق مع بسط سيطرتها شبه الكاملة على الأراضي السورية، بدأ النظام بتحويل هذه المناطق إلى مناطق مختلطة الطوائف والعقائد، وعودة ترتيب نسيجها الاجتماعي بحسب استراتيجيات تم وضعها لكل منطقة تضمن وجود رجاله ومؤيديه تجهيزاً لحدوث حراك معارض قادم.

تهجير ممنهج ضمن الهدن

وسط عمليات نقل الأهالي في المناطق المعارضة لحكومة النظام السوري إلى الشمال السوري التي كانت أولها في عام 2016، حينها كانت الاتفاقيات تبرم بين كل من مقاتلي المعارضة المسلحة وحكومة النظام السوري وحزب الله اللبناني بوساطات روسية، التي عملت على نقل السكان والمقاتلين من مناطق النزاع وسيطرة قوات النظام إلى محافظة إدلب السورية والحدود السورية التركية، كالتي حصل في ريف دمشق وأحياء الوعر في حمص وريف حماة الجنوبي، كانت حكومة النظام تسعى من خلال هذه الاتفاقيات الى تجريد المجتمع السوري والسكان من أملاكهم وهويتهم الديمغرافية ونقلها إلى أماكن أخرى جديدة بمراسيم وقوانين تمت صياغتها على حجم التغيير المطلوب، وكل ذلك ضمن أطر الدستور والقوانين.

حينها بدأت حكومة النظام بفرض استراتيجيتها الجديدة وتغيراتها الديمغرافية القائمة على توطين مجموعاتها الأمنية وأهليهم بالإضافة إلى عناصر من حزب الله اللبناني وعوائلهم في هذه المناطق وتخصيص أملاك بعقود ملكية رسمية وقانونية، بهدف التوطين الدائم وخلق بيئة اجتماعية حديثة مبنية على مخططات عام 2016 من التهجير القسري للسكان، وخلق مجتمع سوري جديد يناسب متطلبات الحكومة السورية.

ومن أهم تلك المناطق التي كانت من أولى مخططات النظام هي مدينة حماة، التي ركّز النظام العمل عليها منذ بداية الحراك المعارض ضدّه وتفكيك نسيجها الاجتماعي المعروف بمعارضته المتأصلة لحكومة النظام السوري لأسباب لها علاقة بما جرى أيام حافظ الأسد في الثمانينات من القرن الماضي، وبدأ التسهيل للمهجّرين داخلياً والنازحين بالوفود إليها للعمل على فتح هذا النسيج الاجتماعي وتسهيل عملية اختراقه وعودة تهيئة هذه البيئة وتوطين مئات العناصر الامنية والضباط الأمنيين وعوائلهم في أحياء مدنية مختلفة ضمن حماة وتحقيق انتشار كبير بداخلها.

فمدينة حماة التي عُرفت بأنها مجتمع مغلق على نفسه إلى حدّ ما، لم يكن يقطن فيها سوى أبناء الطائفة السنيّة وأبناء الديانة المسيحية في حيين من المدينة، وهما (حي المدينة وحي الشيخ عنبر)، إلّا أن اليوم وعقب التضخّم السكاني الحاصل في مدينة حماة والذي وصل إلى أكثر من مليونين ونصف نسمة بعد أن كان 800 ألف نسمة فقط، بدأت تشاهد في كل بناء سكني تقريباً عائلة من عوائل العناصر الأمنية التي تقوم بالخدمة في أحد الأفرع الأمنية بحماة أو المطار العسكري أو في اللواء 47 وغيره، وذلك حسب توجيهات وجهّت في مطلع عام 2018 إليهم بضرورة الاستيطان ضمن المدينة وليس ضمن ريف حماة، وبدأت العوائل من شتى الطوائف الأخرى تنتشر في الأحياء والأبنية بشكل غير مسبوق ولم تعرفه مدينة حماة من سابق.

حماة وأحيائها تتفكك شيئاً بعد آخر، خاصة مع فراغها من شبّانها إثر سفر عشرات الشبّان يومياً إلى خارج البلاد هرباً من الخدمة العسكرية و طلبا لحياة أفضل، وبدأ سكّان الأحياء وخاصة التي كانت تعرف بمعارضتها للنظام كحي طريق حلب والأربعين والكثير غيرها بالخوف من النظام ورفع لافتات مؤيدة للحكومة ولقرارتها، بسبب الأذرع الأمنية التي زرعت فيما بينهم وبين منازلهم، وبسبب الاختلاط الاجتماعي الذي أصبح واقعا لا مفرّ منه إثر تعاملاتهم اليومية مع الأمنيين والعسكريين في الأفرع الأمنية بسبب وجودهم واختلاطهم ضمن المجتمع الحموي وعملهم المختلف بعد دوامهم في الأفرع في المحلات التجارية وعلى سيارات الأجرة وغيرها، وبذلك نجح النظام إلى حدّ كبير في كتم صوت المعارضين في حماة وضمان إخفاءه ضمن جدران المنازل فقط، وهذا ما بات يلاحظه معظم أهالي مدينة حماة بعدم قدرتهم على التعبير ضد أي قرار من قرارات حكومة النظام نسبة لوجود الآلاف من الأذرع الأمنية التي باتت ضمن مفاصل حياتهم اليومية.

ويرى الكثير من أهالي مدينة حماة، بأنه بات من الصعب أن يعود نسيجها الاجتماعي إلى ما كانت عليه، فالكثير من العادات والتقاليد افتقدها المجتمع في حماة، نسبة للاختلاط الحاصل في شتى المحافظات السورية وليس فقط في حماة، وبات حال مدينة حماة كسائر حال المحافظات السورية التي تم تغيير ديمغرافيتها بنجاح وضمان بقائهم تحت ولاية حكومة النظام السورية وقمع الحراك المعارض لسنين وسنين أخرى.

يناير 19, 2022 |

شاركها مع أصدقائك!

اقرأ أيضاً