
“المكتب السري” رعبٌ يلاحق تجار حماة يومياً
همام الكردي-حماة
اقتحم “المكتب السري” الأسواق السورية منذ بضعة أشهر، وأصبح اليوم يشكل هاجساً مخيفاً لجميع تجار وصناعيي سوريا على العموم وبخاصة محافظة حماة وحلب والعاصمة دمشق، حيث عمل على تنحية جميع الأفرع الأمنية ومديريات الجمارك ، وانفرد بالمداهمات الأمنية وملاحقة التجار والصناعيين في الأسواق المحلية السورية وبسلطات أمنية مطلقة، همّه الأول جمع الأموال والأتاوات من أصحاب المهن التجارية والصناعية ولكن بأسعار تفوق حتى أسعار السلع الأساسية، وصلت إلى مئات الملايين.
وأكدت مصادر محلية في أسواق مدينة حماة بأن المكتب السري بات يلاحق تجار حماة بشكل يومي، بعد ان كانت جولاته شبه شهرية على المدينة، حيث بات يشكل هاجساً لجميع التجار في المدينة، ما أدى إلى عزوف الكثير من التجار والصناعيين والحرفيين عن عملهم وبدأ إغلاق محلات تجارية كبرى في وسط المدينة بسبب ازدياد تضييق الخناق المالي عليهم ومشاركة النظام السوري بأرباحهم بنسبة تصل إلى أكثر من 60% كما احتسبها البعض من التجار المحليين.
يقول أبوهمام التاجر في مدينة حماة بأنه تعرض لمداهمة أمنية منذ شهر تقريباً على محله التجاري في حماة بشكل مفاجئ، بسيارات جبلية ذات لوحات اسمية “الجيش”، تم تطويق المحل بعناصر بلباس أسود اللون علّق على أكتافهم شعارات “أمن الجمارك”، بعدها تم اقتحام المحل من قبل عنصرين من الدورية الأمنية، فأعتقد أبو همام بأنها دورية أمنية كالدوريات المعتادة يريدون خوّاتهم الشهرية فقط لا غير، ليتفاجأ بأنهم عرّفوا عن أنفسهم بأنهم من دوريات المكتب السري التابع لأمن الجمارك العام من دمشق، مع مرافقة من فرع أمن الدولة في حماة التي بقيت خارج المحل.
وتم اتهامه حينها بالمتاجرة بالبضائع المهربة والغير مجمركة، بالإضافة إلى التعامل بالقطع الأجنبي “الدولار الأمريكي”، وبعد تفتيش كامل المحل والمستودع لم يجدوا شيء، ولكنهم أصرّوا على الاتهام الموجّه إليه، وتم الاتصالبمدير مكتبهم في دمشق بشكل فوري، من ثم أخبروه بأنه سيتم اعتقاله فوراً وتغريمه بمبالغ مالية كبيرة، وتعرضه لمحكمة اقتصادية، او دفع مبلغ عشرة ملايين ليرة سورية بشكل مباشر لطي القضية والتقرير المقيّد باسمه.
وتابع بأنه أضطر إلى تأمين مبلغ الأتاوة ودفعها لهم بالإضافة إلى دفع مليوني ليرة سورية للعناصر والمسؤول عنهم بالإضافة إلى مبلغ مئتي ألف ليرة لعناصر دورية فرع أمن الدولة المرافقة لهم، من أجل ضمان عدم اعتقاله وعدم عودتهم إليه مرة أخرى.
وقال بأن هذا المبلغ قد يحتاج إلى عمل لأكثر من 5 شهور لتعويض هذه الخسارة التي تعرض لها خلال أقل من نصف ساعة من قبل الدورية، فهذا المكتب يكمن عمله في التعرض لكبار التجار في المدن والمحافظات بهدف جني الإتاوات والخوّات ولكن بمبالغ مالية باهظة، فهم يعلمون بدراسة دقيقة جميع معلومات وتفاصيل التجار والصناعيين في المحافظة، والمداهمات تكون على أشخاص معينين بهدف ابتزازهم وتحصيل أكبر قدر ممكن من الخوّات التي تدعم عمل رؤسائهم.
فيما أفادت مصادر أمنية من داخل فرع أمن الدولة بحماة لـ “صحيفة حماة اليوم” بأن المكتب السري يتبع بشكل أسمي وصوري لأمن الجمارك العام “مديرية الجمارك العامة” في دمشق، ولكنه في الحقيقة يتبع بشكل مباشر إلى “القصر الجمهوري” في العاصمة دمشق، ويتمتع بهذه السلطات الأمنية المطلقة نسبة لتبيعة إدارته إلى أسماء الأسد زوجة بشار الأسد، وهذه الخوّات والأتاوات جميعها تعود إلى خزينتها المالية التي بدأت بالتوسع بشكل كبير على كافة قطاعات ومؤسسات الدولة ومفاصلها عقب إقصاء رامي مخلوف رجل الأعمال السوري ابن خال بشار الأسد.
ويقوم عمل المكتب بمرافقة من فرع أمن الدولة لتنفذ مداهماته تحت غطاء أمني قانوني، حيث يعتبر مراقبة الأسواق وأعمال التهريب فيها ومكافحة التعامل بالقطع المالي الأجنبي من صلاحيات فرع أمن الدولة، فاليوم أصبح المكتب السري من أقوى الأذرع الإقتصادية التي تدعم خزينة القصر الجمهوري في البلاد.
ويأسف أبو كريم الصناعيّ من محافظة حماة عن الوضع الذي آلت إليه الصناعة والتجارة في سوريا، مع تضييق الخناق وتوسيع شرائح الضرائب والجمارك على البضائع المستوردة إلى البلاد، وسط شحّ كبير في البضائع بمجملها ضمن مستودعات التجار والصناعيين، وما زاد الطين بلّة هو التدخل
الأمني الكبير مؤخراً في الأسواق السوري لتعويض خسائره الاقتصادية من جيوب التجار ورؤوس الأموال السورية.
ويتابع أن حال الأسواق السورية من سيئ إلى أسوء، مع التدهور الاقتصادي الذي تعيشه البلاد، وانخفاض سعر صرف الدولار الأمريكي أمام الليرة السورية، والعقوبات المفروضة على النظام السوري، وصعوبة عمليات الاستيراد والتصدير واستحالتها في كثيرِ من الأحيان، ليكمل النظام سلسلة الخناق علينا تارةً بمؤسسات التموين، والمالية، وحماية المستهلك، وتارةً الأفرع الأمنية التي بالكاد تفارق الأسواق، وآخرها المكتب السري الذي أصبح يشكل رعباً عند ذكر أسمه أو وجوده في مدينة من المدن
وبحسب مصادر لصحيفة حماة اليوم، فإن عمل هذا المكتب بشكل أساسي يقتصر على نهب الأموال وجمع الأتاوات بطريقة مباشرة وقانونية من التجار وأصحاب المستودعات وغيرهم ممن يتصدرون ويعملون في الساحة الاقتصادية، بناء على معرفتهم بشكل مسبق بالتاجر المستهدف وتفاصيل أعماله التجارية، وكميات البضائع ومخرجات أمواله وإيداعاته في البنوك ومكاتب التحويل الداخلية، بعد ذلك يأتي عملهم بالتهديد بالذهاب إلى المحاكم الاقتصادية ذات أشد العقوبات في البلاد أو الدفع المباشر دون أي مساءلة قانونية، نافياً المعلومات التي تقول بأن عمل المكتب السري يتركز في دمشق وعلى التجّار المتعاملين سابقاً مع رامي مخلوف ابن خال بشار الأسد، وإنما عمله يشمل جميع المحافظات السورية بجميع تجارهّا وصناعيّها.
وذهب برأيه إلى أن عمل هذا المكتب تحت إدارة مباشرة من أسماء الأسد، ليس لبعد اقتصادي فقط، وإنما لتأهيل بيئة اقتصادية جديدة تعمل تحت جناحها عبر إجبار جميع التجار والصناعيين بتقدمة الولاء والطاعة للسيدة الأولى زوجة بشار الأسد، التي تقوم بفرض حمايتها الأمنية عليهم وخلق أسواق واقتصاديين يأتمرون تحت سلطتها، كما كان الوضع الاقتصادي سابقاً أثناء سيطرة رامي مخلوف على الاسواق السورية.
ويتابع بأن بعض التجار استطاعوا الوصول عبر نفوذهم في حكومة النظام وعبر وساطات أمنية إلى رؤساء هذه الدوريات و باتوا يصرفون رواتب شهرية لهذا المكتب وعناصره من أجل ضمان عدم التعرض لهم والعمل بأريحية أكبر، فيما ذهب آخرون إلى إغلاق محالهم التجارية وصناعاتهم في سبيل الخلاص من هذا التضييق الأمني الكبير ومشاركة النظام في أرباحهم بنسب
كبيرة باتت تجعلهم في خسارات مالية مع انهيار سعر الليرة السورية بشكل دولي وأمام صعوبات الاستيراد والتصدير، وباتوا يفضّلون السفر إلى مصر وتركيا ودول أخرى لفتح تجارات في تلك الدول عن البقاء في سوريا ضمن هذه البيئة التي أصبحت من المحال العمل فيها.
وبحسب آراء عدّة مواطنين في حماة تحدثوا في مقابلات ميدانية لصحيفة حماة اليوم، بأن جميع ذلك لا يصب إلى رأس المواطن السوري، ذو الدخل المحدود، الذي أصبح بالكاد يحلم بتأمين أبسط متطلبات الحياة من قوت يومه، علاوةً عن الغلاء الذي تتعرض له سوريا نسبة لقلة البضاعة المستوردة وانعدام البضاعة المحلية فيما رفع سعر جميع البضائع خلال أقل من ستون يوماً بنسبة تتراوح بين 10-15% من سعرها.






